أتعرف أنني كردي؟ قال الأستاذ، قلت لا ولكنني أعرف أن العقاد عراقي الأصل وكردي وأن صلاح الدين كردي وأحمد شوقي جرت في عروقه دماء كردية وأن رئيس مجمع اللغة السوري محمد كرد علي كردي وغيرهم كثير. لقد خدم الأكراد الإسلام واللغة العربية حين خذلها كثير من عرب نجد، أنسيت يا أستاذ ما قاله نزار مرة:

 

أتكلم الفصحى أمام عشيرتي
وأعيد .. لكن ما هناك جواب
لولا العباءات التي التفوا بها
ما كنت أحسب أنهم أعراب ..
يتقاتلون على بقايا تمرة
فخناجر مرفوعة وحراب
قبلاتهم عربية .. مَن ذا رأى
فيما رأى قــُـبَلاً لها أنياب؟!

 

 

شاخت الدقائق وتقوست ظهور الساعات

والدكتورة فادية مغيث جليستنا يسارية النزعة ووجدت في يساريتها معينا لي على إبداء نقمتي على تردي وضع مصر الثقافي والسياسي والاجتماعي وعن الهجمة الإعلامية التي شنتها قنوات وصحف وفنانون وكتاب على الجزائر وشهدائها عقب مباراة في كرة قدم لا تستحق كل هذا الاهتمام، وكل هذه البغضاء وكل هذا السباب والحق أن كثيرا من المثقفين خجلوا من ذلك ورأوا فيه مجرد لعبة سياسية لامتصاص الغضب الجماهيري وتلهية له عن واقعه المنكود. 

ولم أكتفِ بالشجب بل نشرت مقالة أندد فيها بهذا التصرف الطائش من قبل بعض الفنانين والإعلاميين ومن المحسوبين على المثقفين، ونشرت المقالة بجريدة اليوم السابع المصرية تحت عنوان(في حب مصر عتاب بين يدي إيزيس) وقلت للدكتورة فادية وللأستاذ علي بدرخان ستنفجر الأوضاع قريبا فلم يكن بين نبوءتي وثورة يناير غير أسبوعين.

وأنا أتمشى على كوبري 6 أكتوبر، والنيل تتراقص الأضواء على صفحته معربدة والآتية من الفنادق والمحلات والمؤسسات الرسمية واللوحات الإشهارية تلقنك أن الزمن زمن العولمة حيث العالم العربي على حاشية التاريخ حين دخل غيره متنه: كوكاكولا، ماكدونالدز، موفمبيك ، موتورولا ... .

كانت الأحزان تضرب بموجها صخرة قلبي فتفتها كما يفت الموج صخرة البحر. لقد عجزت مصر وتذمر الناس وضاقوا بحياتهم وبانسداد أفقها وتردى كل شيء، لم يعد للساعة معناها شاخت الدقائق وتقوست ظهور الساعات وتوكأت على عصي اليأس والخذلان ولم يعد للفرح ألقه، ولا للوجه العربي هويته إنه مجرد كتلة هلامية موحشة كقبر منسي بلا ملامح تملأ الفراغ.

 

 

أزحت بيدي تلك الصخرة وأشحت بوجهي عن الأحزان وأتممت تدخين سيجارتي رغما عن حزني الفطري وشجوي المبرر أمسكت بخاصرة الأمل وطوقت شماريخه بذراعي واندغمت في نظرة حانية في صفحة النيل سائلا الله ساعة للفرح العربي.

نمت جيدا ولم أستيقظ إلا عند الظهيرة كان فطوري بيضا وزيتونا وعسلا ونسكافيه شربتها على مضض وانفتلت إلى مقهى بسيط شربت قهوة جزوة ودخنت شيشة وفي أذني عبد الوهاب يصدح:

ياجارة الوادي طربت وعادني ** ما يشبه الأحلام من ذكــــــــــــــراك

مثلت في الذكرى هواك وفي الكرى ** والذكريات صدى السنين الحاكي

 

إبراهيم مشارة

حقوق النشر: إبراهيم مشارة / موقع قنطرة 2020

 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة