رفع نسائي لمستوى الوعي والحوار المجتمعي 

أثمرت مشاركة العديد من الناشطات النسائيات، إضافة إلى الجماعات السياسية والاجتماعية وجماعات المجتمع المدني في فترة الانتقال السياسي، واحداً من أكثر الدساتير تقدمية في المنطقة، حيث وفر الدستور الحقوق القانونية للنساء. "تحدث مع الناس الذين تخالفهم الرأي" كان شعاراً تشير إليه بشكل خاص الناشطات النسائيات على أنه يشكل استراتيجيتهن لحمل المحافظين المسلمين على المشاركة في المناقشات أثناء عملية صياغة الدستور.

فعلى سبيل المثال، رغم أن السياسيين من الإسلاميين المحافظين كانوا في البداية ضد فكرة المساواة بين الجنسين، إلا أنهم صوتوا لصالح هذه الفكرة لاحقاً. كما نظمت المجموعات النسوية فعاليات تأييد جمعت ممثلين عن المجتمع المدني وصانعي السياسة وأعضاء في البرلمان لمناقشة المساواة كمبدأ أساسي في الدستور.

وبفضل مبادرات المجموعات النسائية المحلية، والتي أمّنت مشاركة منظمات المجتمع المدني أثناء العملية التشاركية لصياغة الدستور، فإن الدستور الجديد، الذي تم التصديق عليه في 27 يناير / كانون الثاني 2014، يعتبر الأكثر تقدماً في كافة بلدان جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط في مرحلة الانتقال السياسي، خصوصاً لجهة الحريات المدنية.

فعل نسائي تونسي مباشر من خلال التظاهر المدني

وعن قضية المساواة نفسها، فقد كان من ضمن الاستراتيجيات الأخرى التي اتبعتها الحركة النسائية   الفعل المباشر، أو بشكل أدق: التظاهر. ففي 13 أغسطس / آب 2013، اليوم الوطني للمرأة والاحتفال بمرسوم قانون الأحوال الشخصية، عندما رفض المحافظون الإسلاميون الحوار، نزلت الناشطات والمجموعات النسائية إلى الشارع للقيام بمظاهرة كبرى. لم يكن هذا اليوم يوماً للاحتفال بقدر ما كان يوماً للعمل المدني للكفاح من أجل حق النساء المكفول في المساواة. 

 

احتجاج نساء ضد الإرهاب بعد الهجمات على متحف باردو الوطني في العاصمة التونسية تونس في 18 مارس / آذار 2015. Foto: © Aya Chebbi
تأثير نسائي على النظام السياسي: على الرغم من تحديات أمام النساء في تونس، فقد أظهرت الجهود الجماعية وعياً متزايداً بين النساء عن دورهن في التأثير على النظام السياسي واحتلال الأماكن المدنية. وهناك الكثير من الاستراتيجيات التي تستخدمها منظمات حقوق المرأة لهذه الغاية، كما ترى آية الشابي. في الصورة: احتجاج نساء ضد الإرهاب بعد الهجمات على متحف باردو الوطني في العاصمة التونسية تونس في 18 مارس / آذار 2015. منذ أوائل القرن العشرين، لعبت النساء التونسيات دوراً أساسياً في تنظيم المقاومة المدنية.

 

{"معركة الدعوة للمساواة بين الجنسين مرتبطة بشكل وثيق بقضايا الحقوق الاجتماعية والسياسية والإنسانية بشكل عام." -  آية الشابي}
 

كانت الملصقات والهتافات تطالب بمراجعة مشروع القانون لضمان حماية النساء. وقد عمد قسم من أعضاء البرلمان الإناث الـ 59 (وكان 42 منهن من الحزب الإسلامي المحافظ "النهضة") من مجموع أعضاء الجمعية الوطنية التأسيسية البالغ 217، بالتصويت لصالح مشروع قانون كان ينص على أن "الدولة ستصون حقوق النساء وإنجازاتهن تحت مبدأ التكاملية مع الرجال ضمن الأسرة، وكشريكات للرجال في تنمية الوطن". وقد استحضر ذلك مفاهيم أدوار الجنس "التكاملي"، الأمر الذي شكل مجازفة بإضعاف مبدأ المساواة بين الرجال والنساء.

نتيجة الأفعال المباشرة للناشطات النسائيات، واللواتي استطعن حشد الجماهير بالرغم مما سبق من حوادث العنف من جانب الشرطة والتحرش الذي تعرضت له المحتجات، فإن المادة 46 من الدستور تنص الآن على أن " تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها". وتكفل كذلك " تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات" و "تتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة".

وتستمر الناشطات في سبيل حقوق المرأة وكذلك الحركات في المسيرات والاحتجاج والعرقلة عند الضرورة، تارةً في شكل حوادث مبعثرة نشأت بشكل طبيعي، وتارةً أخرى بفعاليات أكثر تنظيماً تحت رعاية الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وجمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية. حيث ترفض هاتان الجمعيتان إضعاف حقوقنا وتقليص حيزنا المدني، وتدفعان الحكومة لأن تولي اهتمامها لمسائل أكثر إلحاحاً من الاقتصاد، الأمر الذي شكل أحد الأسباب الرئيسة التي أشعلت فتيل الثورة.

التضامن وبناء التحالفات - أهم معالم الحركة النسوية التونسية

ترسم الدعوة إلى التضامن وبناء التحالفات أهم معالم الحركة النسوية التونسية. في الواقع، إن الدرس التونسي المستفاد هو أن على الحركات النسوية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة استعادة حيزها المدني باتحادها مع الحركات المطالبة بالعدالة الاجتماعية الأوسع نطاقاً. على الناشطات النسائيات الانخراط بمسألة المناخ، ونضالات اتحاد العمال، وحقوق المضطهدين، وهلم جرا. وبهذه الطريقة، تتشابك قضايا المرأة مع كل جوانب المجتمع: الأحزاب السياسية، والاتحادات، والروابط، وأماكن العمل.

 

 

{إسلاميون مع فكرة المساواة بين الجنسين: رغم أن السياسيين من الإسلاميين المحافظين في تونس كانوا في البداية ضد فكرة المساواة بين الجنسين، إلا أنهم صوتوا لصالح هذه الفكرة لاحقاً. آية الشابي تعزو ذلك إلى مبادرات المجموعات النسائية المحلية الحوارية.}
 

إن هزيمة حركة النهضة الإسلامية المحافظة في الانتخابات العامة لعام 2014، على سبيل المثال، قد أتى إلى حد كبير نتيجة الحوار الاجتماعي المفتوح عن حقوق المرأة، الذي أشرك قطاعات كبيرة من الجماهير. فقد استعادت أكثر من مليون امرأة حيزاً مدنياً، وصوتت ضد النهضة بسبب موقفها من حقوق المرأة. ولهذا، فإن معركة الدعوة للمساواة بين الجنسين مرتبطة بشكل وثيق بقضايا الحقوق الاجتماعية والسياسية والإنسانية بشكل عام.

وفي الختام، لقد أحرزت النساء التونسيات إنجازات تشريعية وسياسية لافتة. فالمجموعات النسائية المنظمة في تونس كانت في قلب معركة صياغة الدستور وإصلاح القانون الانتخابي لتعزيز المساواة أفقياً وعمودياً. وبغض النظر عن كيفية اختيار النساء التونسيات لطريقة مواجهة تحديات الانتقال السياسي، فقد أفلحت حركتنا في عكس تقليص مساحة الحيز المدني وتحدي المعارضة الإسلامية المحافظة للتشريعات التقدمية. وأثناء الانتخابات والأزمات، فقد كفل صمود المنظمات النسوية والناشطات التشاركية الشاملة، والتضامن في الحراك، والتقاطعية في استعادة الحيز المدني.

 

آية الشابي

ترجمة: جورج سمعان

حقوق النشر: معهد غوته / "رؤية" 2019

 

ar.Qantara.de

 

 آية الشابي، حائزة على جائزة وهي مناصرة لحقوق المرأة في عموم إفريقيا. وهي أول مبعوثة للاتحاد الإفريقي للشباب وأصغر دبلوماسية في مجلس رئاسة مفوضية الاتحاد الإفريقي. أسست عدة منابر مثل برنامج الشباب لتوجيه التمكين الشامل (Y-PHEM)، حيث تدرب الجيل التالي ليكون أبناؤه عملاء في التغيير الإيجابي، وحركة الشباب الإفريقي (AYM)، وهي واحدة من أكبر الحركات التي يقودها الشباب لعموم إفريقيا، وكذلك أفريسيست، وهو برنامج قيادة شبابي ومنبر متعدد الوسائط يوثّق العمل الشبابي في إفريقيا. وقد عملت في مجلس إدارة السيفيكوس، الائتلاف العالمي لمشاركة المواطنين، والمجلس العالمي للاجئين، ولجنة أوكسفام المستقلة الخاصة بسوء السلوك الجنسي.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.