العمل في التهريب من دون تردُّد

ولكن هذا الشاب الذي يرتدي قبعة بيسبول وسمَّاعات على أذنيه لا يشعر مع ذلك بأي تردُّد، ويقول: "إذا أُتيحت لي الفرصة مرة أخرى، فسوف أفعل ذلك من جديد. أنا أنتظر فقط حتى نهاية المدرسة، وفي العطلة سأعود مرة أخرى. في فترة الدراسة أذهب إلى المدرسة، وفي العطلات أعمل كمهرِّب". ويضيف أنَّ الأمر بسيط للغاية: "إمَّا أن تعمل هنا كصيَّاد فقير أو أن تسافر طريق إيطاليا".

وفي مدينة الإسكندرية الساحلية الواقعة على بعد ساعة بالسيارة، ركَّزت الصحفية هناء أبو العز عملها على البحث حول اللاجئين والمهرِّبين. وحول اعتماد المهرِّبين على القاصرين في قيادة المراكب، تقول هناء أبو العز إنَّ هذا عمل مخطط له: "غالبًا ما يكون الأشخاص الذين يعملون على السفن دون سنّ الثامنة عشْرَة. وعندما يتم القبض على السفينة أمام سواحل إيطاليا، فعندئذ لا يمكنهم اعتقال سوى القاصرين. وعادة ما تتم معاملتهم كضحايا، ويحصلون على وضع اللاجئ وبدلاً من إرسالهم إلى السجن يتم إرسالهم في إيطاليا إلى المدرسة". ولكن مع ذلك فإنَّ هؤلاء الشباب لا يريدون أن يتم ضبطهم، وذلك لأنَّ كلَّ شخص منهم يحصل مقابل كلِّ رحلة على ما يعادل خمسمائة يورو.

African refugees in the Mediterranean
"كلُّ واحد من كبار المهرِّبين لديه العديد من المندوبين، الذين يُجَمِّعون اللاجئين ومن ثم "يُخزِّنونهم" - مثلما يصفون ذلك - بشكل مؤقت في بيت أو في حظيرة للمواشي، إلى أن يتَّفقوا مع أصحاب المراكب. وثم ينقلون اللاجئين في مراكب صغيرة إلى أخرى كبيرة. ومن هناك يذهبون إلى إيطاليا"، مثلما تقول المواطنة المصرية رضا.

وبالتالي عندما تعبر سفن الاتِّحاد الأوروبي الحربية الكبيرة البحر الأبيض المتوسط من أجل محاربة المهرِّبين، فعندئذ يكون الاحتمال الأكبر أنَّها لن تعتقل سوى بعض طلاب المدارس المصريين.

وكذلك لقد تقصَّت الصحفية هناء أبو العز عن طريقة عمل المهرِّبين المعتادة. وحول ذلك تقول إنَّ "مندوبي مافيا التهريب يذهبون إلى المقاهي، التي يرتادها اللاجئون السوريون في الإسكندرية. ويتحدَّثون إليهم ويعدونهم بأنَّهم يمكن أن يساعدوهم. ثم يتَّفقون معهم على سعر يتراوح بين ثلاثة آلاف دولار وثلاثة آلاف وخمسمائة دولار من أجل رحلة العبور إلى إيطاليا". ولا يخبرون اللاجئين متى ستبدأ هذه الرحلة. ثم يتلقَّى اللاجئون مكالمة هاتفية، يخبرونهم فيها أين يتجمَّعون. وهناك عادة ما يتم نقلهم بحافلة إلى مكان بعيد ويتم "خزنهم مؤقتًا" في منزل، مثلما تقول هناء أبو العز.

تجريد اللاجئين من هواتفهم المحمولة

وقبل ذلك يتم تجريد اللاجئين بشكل مؤقَّت من هواتفهم المحمولة، لكي لا يتمكَّنوا من الاتِّصال بأي شخص. وأخيرًا عندما تبدأ الرحلة، يتم إيقاظ اللاجئين بشكل مفاجئ وغالبًا في منتصف الليل، ويتم نقلهم إلى مراكب صغيرة على الساحل، ومن ثم ينقلونهم بهذه المراكب الصغيرة إلى مراكب أكبر في عرض البحر. "يشارك العديد من الأشخاص في عملية التهريب. حيث يقوم البعض بتأمين المكان الذي تنطلق منه الرحلة. ولا يتركون أي شيء للصدفة، بل يتم حساب كلِّ شيء. وكذلك تتم مراقبة البحر. وهم يعرفون بالضبط متى وأين تسير دوريات خفر السواحل"، مثلما تقول الصحفية هناء أبو العز.

لا ينتهي ذلك دائمًا بشكل جيِّد بالنسبة للمهرِّبين، وخاصة بالنسبة للذين كانوا يقودون المراكب، وأعمار بعضهم أحيانًا تزيد عن ثمانية عشر عامًا. لقد دعتني أسرٌ كثيرة في هذه القرية إلى منازلها وأخبرتي هذه العائلات أنَّ أبناءها قد تم اعتقالهم في إيطاليا. وكذلك لقد تم إلقاء القبض على آخرين وهم في الطريق وتم سجنهم في ليبيا أو حتى في تونس.

وفي هذا الصدد تقول أحدى الأمَّهات: "اعتقدت أنَّ ابني خرج للصيد. ثم سمعت أنَّ ابني قد تم إلقاء القبض عليه في إيطاليا". وحول الرجل الذي سافر من أجله ابنها تقول: "لقد استغلَّنا وغرَّر بنا تمامًا". وتضيف أنَّها لم ترَ من هذا الرجل أي مبلغ من المال.

"هذا الرجل يجب أن يُسجَن. لأنَّه يُرسِل في كلِّ يوم مركبًا في رحلة جديدة إلى إيطاليا. وبيته هناك ليس بعيدًا من هنا"، تقول ذلك وهي تشير إلى منزل جديد مكوَّن من ثلاثة طوابق، تطل شرفاته على نهر النيل، ويبرز من بين المباني المجاور الآيلة للسقوط.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.