حلم الحصول على ثروة وبيت جميل

من الملفت للنظر أنَّ بعض المباني في القرية حديثة البناء أو تم تجديدها حديثًا. وهذه المباني لم يتم تمولها بالجنيه المصري، بل بدولارات اللاجئين، مثلما تقول صاحبة المركبين رضا: "الجميع في القرية يحلمون بامتلاكهم في يوم ما بيت جميل بعدة طوابق مثل بيوت المهرِّبين".

ولكن النظر إلى المنازل الجديدة لا يكشف إلاَّ عن جزء من ثروة المهرِّبين. فقد نقلوا ثرواتهم إلى أماكن خارجية. إذ إنَّ "الأشخاص الذين يعملون كمهرِّبين كبار، يخافون من أن يتم سؤالهم عن مصدر هذا المال. ولذلك فهم يبنون لأنفسهم نظامًا موازيًا"، مثلما توضح الصحفية هناء أبو العز. وفي البداية يشترون منزلاً كبيرًا آخر في الإسكندرية.

Fishing boats awaiting the next "mission" on the seafront at Borg Meghezel (photo: Karim El-Gawhary)
يبدو أنَّ الشرطة المحلية تشارك منذ فترة طويلة في تجارة التهريب، مثلما تقول صاحبة المركبين رضا: "بالمال يمكن تحقيق كلِّ شيء. ولنفترض أنَّني شرطي ووظيفتي هي أن أراقب إن كنتَ لا تخرق القانون. غير أنَّني آتي إليك - إلى المهرِّب - لكي أحصل على أجرتي. وإذا كنتَ تدفع للأشخاص العاملين في الدولة، فيمكنك عندئذ أن تفعل كلَّ شيء، ولن تتم محاسبتك أبدًا".

"كما أنَّهم يسافرون بانتظام إلى إيطاليا أو فرنسا أو إلى أماكن أخرى في أوروبا. وحتى أنَّ لديهم هناك شققًا وبيوتًا وعملاً آخر أحيانًا". وبين فترة وأخرى يأتي كبار المهرِّبين من أجل زيارة أهاليهم، مثلما تقول هناء أبو العز: "وصحيح أنَّ لديهم هنا منزلاً جميلاً بعدة طوابق، غير أنَّ حياتهم الحقيقية تسير في مكان آخر".

جميع الدلائل تشير إلى أنَّهم يزيدون ثرواتهم من بؤس اللاجئين. "طريق البلقان الغربية باتت مغلقة، وليبيا فوضوية وخطيرة جدًا، ولذلك فسوف يزداد الطلب على مصر من جديد بين اللاجئين السوريين ابتداءً من الربيع"، مثلما يقول المحامي المختص في شؤون اللاجئين محمد سعيد في الإسكندرية. بيد أنَّ مصر ترفض منذ العام الماضي 2015 دخول المزيد من اللاجئين القادمين من سوريا إلى هبة النيل، التي يعيش فيها بحسب الإحصاءات الرسمية أكثر من مائة وثلاثين ألف لاجئ سوري مسجَّل. وعلى الأرجح أنَّ الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بكثير.

"اليوم تمتد الطريق الوحيدة للسوريين من أجل الوصول إلى مصر عبر لبنان، لمواصلة رحلتهم من مصر إلى إيطاليا. وبما أنَّهم لم يعودوا يحصلون على تأشيرة لدخول مصر، فقد أصبحوا يسافرون إلى السودان. ومن هناك يسيرون على أقدامهم عبر الصحراء لثلاثة أو أربعة أيَّام، إلى أن يصلوا إلى أسوان في جنوب مصر"، مثلما يقول المحامي محمد سعيد. وأخيرًا يذهبون إلى الإسكندرية، حيث يتم اصطيادهم من قِبَل المهرِّبين.

"مربح أكثر من تهريب المخدرات"

في برج مغيزل يقوم المهرِّبون بتجهيز المراكب للرحلة التالية. لا أحد يعرف إن كانوا سيخرجون في الليل للصيد أو من أجل التهريب. "الناس هنا يُهَرِّبون كلَّ شيء"، مثلما تقول صاحبة المركبين رضا. يُخْرِجون من البلاد المعارضين السياسيين والإخوان المسلمين، ويدخلون إليها الأسلحة ومقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" - وبالطبع المخدرات أيضًا. "ولكن تهريب اللاجئين"، مثلما تقول: "مربح أكثر بكثير من تجارة المخدِّرات".

وقرية المهرِّبين لديها قوانينها الخاصة. مافيا التهريب تحدِّد كلَّ شيء هنا، في حين أنَّ الشباب يحلمون أن يكون لديهم في يوم ما منزلٌ كهذا المنزل الجميل مثل كبار المهرِّبين. وبالتأكيد إنَّ الجميع تقريبًا هنا متورِّطون في أعمال جنائية وفي صفقات مظلمة وغير قانونية. غير أنَّهم يعتبرون أيضًا بالنسبة للاجئين بمثابة تذكرة - هي التذكرة الوحيدة التي تنقلهم إلى أوروبا.

 

كريم الجوهري

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة ar.qantara.de 2016

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.