احتجاجات إيران - حين تكون الثورة هي المخرج الوحيد.

ما قد يجعل احتجاجات إيران تطيح بالنظام
حين تكون الثورة هي المخرج الوحيد

هل تتجاوز احتجاجات إيران حدود الطبقات الاجتماعية مطيحةً بالنظام كما صار في دول عربية؟ فقد حدثت نقلة نوعية وأصبح يُرى أن الثورة على النظام هي الحل الوحيد. تعليق المحلل السياسي الإيراني علي فتح الله نجاد.

انتفاضة مندلعة في إيران - بسبب موت الإيرانية الكردية جينا مهسا أميني البالغة من العمر 22 عامًا بعدما احتجزتها الشرطة. وبعد دخول الانتفاضة بالفعل أسبوعها السابع -بل ومنذ البداية- لم يعد الأمر بالنسبة للإيرانيات والإيرانيين يتعلق بالقواعد التي تفرضها الدولة على ارتداء الملابس فقط، وإنما بتغيير النظام، بحسب ما قالت نسرين سوتوده، محامية حقوق الإنسان، المعتقلة في إيران والحائزة على جائزة ساخاروف لحرية الفكر التي يمنحها البرلمان الأوروبي.

حتى الجهاز القمعي للجمهورية الإسلامية الذي تُخَصص له ميزانيات مهولة، والموجه نحو قمع الاحتجاجات في الشوارع، لم يتمكن من وضع نهاية لهذه الحركة الثورية حتى الآن. لأنها هذه المرة تختلف عن الاحتجاجات التي عمّت البلاد عام 2017 (ما تعرف باحتجاجات "دي"، أي ديسمبر 2017 ويناير 2018) وتختلف عن احتجاجات نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 (احتجاجات آبان).

وباندلاع الاحتجاجات الحالية 2022، يبدو أن البلاد قد دخلت بشكل كامل في عملية ثورية. لكن هذا قد بدأ قبل نصف عقد من الزمان، بشكل لم يلاحظه في الغالب كثير من المراقبين. لأنه خلال احتجاجات ديسمبر عام 2017، خرجت لأول مرة الطبقات الدنيا إلى الشارع محتجةً ضد النظام: أولئك الذين كانوا يُنظر إليهم حتى ذلك الوقت على أنهم القاعدة الاجتماعية للجمهورية الإسلامية أو على الأقل موالين لها.

احتجاجات ديسمبر 2017: بداية عملية ثورية

اندلعت الاحتجاجات وقتها بسبب ارتفاع الأسعار، وانتشرت مثل النار في الهشيم في نحو 100 مدينة في جميع أنحاء البلاد. وتحولت الشعارات التي يتم ترديدها فجأة إلى شعارات سياسية واستهدفت جميع أركان النظام: رجال الدين (رجال الدين الشيعة الحاكمين) وكذلك الجزء العسكري (الحرس الثوري الإسلامي)، وأركان هيكل السلطة وكذلك فصيلي النخبة السياسية المتشددين وكذلك الإصلاحيين.

 

شابة بلا حجاب تقف في أحد شوارع إيران أمام قوات الأمن مباشرةً. Eine junge Frau posiert ohne Kopftuch auf der Straße im Iran direkt vor den Augen der Sicherheitskräfte; Foto: UGC
على الرغم من التهديدات الهائلة من قبل قوات الأمن، يواصل كل من الإيرانيات والإيرانيين احتجاجاتهم. وبينما تتعطش الطبقة الوسطى للحرية الثقافية الاجتماعية والسياسية، تهتم الطبقة الدنيا في المقام الأول بالقضايا الاجتماعية في مواجهة الفقر المتزايد باطراد. لقد أدى تآكل الطبقة الوسطى إلى طمس الخط الفاصل بين الاثنتين (الطبقة الوسطى والدنيا). ويبقى أن ننتظر لنرى ما إذا كان هذا سيؤدي إلى تحالف واسع ضد النظام. ومن طبائع العمليات الثورية أن مدتها غير معلومة وأنها تشمل فترات من الهدوء وكذلك فترات من الاضطراب. ولكنْ هناك أيضًا إدراك جماعي أنه يكاد لا يوجد أي أمل لأي فئة اجتماعية في الظروف الحالية – سواء كان من الناحية الاقتصادية الاجتماعية أو من الناحية السياسية.

 

ولأول مرة يصبح هؤلاء الآخرون (الإصلاحيون) موضع غضب شعبي، بعدما كانت تنعقد عليهم الآمال أثناء احتجاجات الحركة الخضراء في عام 2009. وبذلك كانت احتجاجات ديسمبر 2017 ويناير 2018 لحظة صادمة بالنسبة للنخبة بأكملها. واعتبرتها شيرين عبادي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، حينذاك بداية فصل جديد في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

"لقد فهمت أن هذه الاحتجاجات بداية لعملية ثورية طويلة الأمد في إيران، لأن النظام في نهاية المطاف قد فقد دعم قطاعات كبيرة من الطبقات الدنيا. وأصبحت الأوليغارشية (الطبقة الحاكمة) الثيوقراطية غير مبالية بشكل متزايد بمطالب الفقراء".

علاوة على ذلك، فإنه بإلقاء نظرة على المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لإيران ظهر أنه، على عكس الآراء السائدة على نطاق واسع، لا توجد استثنائية إيرانية: فمثلها مثل جيرانها العرب، تعاني الجمهورية الإسلامية من أزمة اجتماعية اقتصادية وسياسية هيكلية لا يمكن للنخب المحتكرة للقوة الاقتصادية والسياسية التخفيف منها دون إدخال إصلاحات مؤلمة تشملهم هم أنفسهم.

الطبقة الوسطى تشارك في الاحتجاجات

وجدت احتجاجات ديسمبر 2017 استمرارها الفعلي مع اندلاع احتجاجات آبان، التي اندلعت بعدها بعام ونصف. فبعد أن تضاعف سعر البنزين ثلاث مرات بين عشية وضحاها، تدفق هذه المرة أربعة أضعاف أعداد المحتجين إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد. وأصيب النظام بحالة من الذعر، حيث أغلق الإنترنت لمدة تتراوح بين أسبوع وثلاثة أسابيع، وقُتل ما يقدر بنحو 1500 شخص.

وتحدثت منظمة العفو الدولية عن التعليمات الموجهة لقوات الأمن بإطلاق الرصاص الحي على المحتجين "shoot to kill" وما نجم عن ذلك من "نشوة القتل" (نشوة إراقة الدم). وبسبب مستوى وحشية الدولة تركت احتجاجات آبان أثرا لا يمحى في الذاكرة الجمعية للإيرانيات والإيرانيين.

وإلى جانب الطبقات الدنيا، شملت القاعدة الاجتماعية للاحتجاجات هذه المرة، الطبقة الوسطى الدنيا أيضا، والمعروفة باسم "الطبقة الوسطى الفقيرة" (بالإنجليزية: "middle class poor"). وأفرادها هم أولئك الذين لديهم مؤهلات تميز الطبقة الوسطى، مثل الشهادات الجامعية، ولكنهم، مع ذلك قابعون في الفقر؛ بسبب التأسيس الأيديولوجي للاقتصاد السياسي وقصر فرص الارتقاء على الموالين للنظام.

 

 

تم إخماد كِلا الاحتجاجين بمزيج من القمع الشديد وإقصاء قطاعات كبيرة من الطبقة الوسطى. تلك "الحلقة المفقودة" تحديدا بين الطبقات الاجتماعية المفردة هي التي تم وصلها في الانتفاضة الحالية، فتم تجاوز حدود الطبقات الاجتماعية والمجموعات العرقية.

تجاوز حدود الطبقات هو الأمر الذي تمكن النظام الإيراني حتى الآن من منعه، وهو كذلك الأمر الذي ساهم بشكل كبير في المرحلة الأولى من الربيع العربي في الإطاحة بالديكتاتوريين في تونس ومصر، لأن آلاف الاحتجاجات الاجتماعية السنوية -4000 احتجاج في العام الماضي 2021 وحده و2200 في النصف الأول من هذا العام 2022- من قِبَل مجموعات اجتماعية كانت بحق تعبيرًا عن حالة سخط واسع النطاق جدا، إلا أنها حدثت جميعًا بمعزل بعضها عن بعض.

هذه المعارك التي كانت حتى ذلك الوقت بمنأى بعضها عن بعض يبدو أنها قد تكاتفت الآن في تسونامي واحد. وبالتالي فإن الانتفاضة الحالية تظهر أكبر أساس اجتماعي لجميع الاحتجاجات خلال أكثر من أربعة عقود من تاريخ الجمهورية الإسلامية، ويقف في المقدمة نساء شجاعات وشباب شجعان.

ومن بين هؤلاء نجد أشخاصا تتراوح أعمارهم بين 16 و25 عامًا والفئة العمرية من 25 إلى 30 عامًا، ويمكن اعتبار العديد منهم ضمن "فقراء الطبقة الوسطى".

 

قوات الأمن الإيرانية خلال احتجاجات 2017 في مدينة كرمانشاه. Iranische Sicherheitskräfte während der Proteste 2017 in der Stadt Kermanshah; Foto: peykeiran
قوات الأمن الإيرانية خلال احتجاجات "ديسمبر 2017" في مدينة كرمانشاه. يكتب علي فتح الله نجاد أن مسيرة ثورية بدأت حينذاك. "لأنه أثناء اندلاع احتجاجات ديسمبر عام 2017، خرجت الطبقات الدنيا إلى الشوارع ضد النظام لأول مرة: هؤلاء الذين كانوا يُنظر إليهم سابقًا على أنهم القاعدة الاجتماعية للجمهورية الإسلامية أو على الأقل موالين لها. وعلى عكس الآراء السائدة على نطاق واسع، لا توجد استثنائية إيرانية: فمثلها مثل جيرانها العرب، تعاني الجمهورية الإسلامية من أزمة اجتماعية اقتصادية وسياسية هيكلية لا يمكن لأفراد النخب المحتكرة للسلطة الاقتصادية والسياسية التخفيف منها دون الشروع في إصلاحات مؤلمة تشملهم هم أنفسهم".

 

وتشترك هذه المجموعات الثلاث في شيء واحد: البطالة المرتفعة نسبيًا بين صفوفها. وليس لديها أمل في النظام الحالي، لا اقتصاديًا ولا سياسيًا. لأن النخبة تحتكر السلطة الاقتصادية والسياسية. ولا يتركون أي مجال لأي شخص آخر للتطور الشخصي والمشاركة.

السكان ينزلقون أكثر فأكثر تحت خط الفقر

خلال العقد الماضي ارتفعت نسب الفقر في إيران بشكل حاد: فبينما تأثر ما يقدر بنحو 50 في المائة من السكان وقت احتجاجات ديسمبر عام 2017، وهناك تقديرات الآن تفترض أن حوالي ثلاثة أرباع السكان يعيشون في الفقر.

تآكل الطبقة الوسطى، إلى جانب تنامي الوعي السياسي للطبقات الدنيا، أدى إلى طمس الخط الفاصل بين الطبقة الوسطى المتعطشة للحريات الاجتماعية الثقافية والسياسية والطبقة الدنيا التي تحركها في المقام الأول القضايا الاجتماعية.

ويبقى الآن أن ننتظر لنرى إلى أي مدى سيتطور البعد المتعدد الطبقات في الانتفاضة إلى تحالف واسع. وها نحن نشهد بالفعل إضرابات من قبل العمال المتعاقدين -أصحاب العقود المؤقتة- في قطاعات الاقتصاد الرئيسية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة