بهذا يفرض المواطنون العودة القسرية إلى نقاش طالما تجنبت الأحزاب السياسية الخوض فيه، وتعايش مع اليساريين كما الإسلاميين خوفا من ردود فعل السلطة.
 
الرسالة الثانية: فشل المؤسسات في الوساطة
 
وجد المواطن المغربي نفسه مجبرا على الانخراط في احتجاج افتراضي مفتوح عفوي، بعد فقدانه الثقة في الدولة ومؤسساتها، وفشل الوسائط التقليدية المعروفة في توفير الحماية له. فلا الحزب السياسي ولا الإطار النقابي ولا هيئات المجتمع المدني، استطاعوا أن يعبروا عن صوته وتطلعاته ومواقفه. ولم تعد هذه المؤسسات تنقل مطالبه ومعاناته، ولا تدافع عن حقوقه الاقتصادية والاجتماعية.
 
اهتدى المغاربة إلى أسلوب المقاطعة لإيصال صوتهم إلى صناع القرار في البلاد، بعدما خبروا جيدا تعامل السلطة مع خيار الاحتجاج السلمي في الشارع الذي كان نهج أبناء الريف؛ ممن ما تزال أطوار محاكمتهم مستمرة. وبعدما عجزت المؤسسات الدستورية الموكول لها هذه المهمة القيام بذلك.
 
احتجاج على التهميش الاقتصادي في المغرب.
رسالة تتضح من نوعية المنتجات الثلاثة التي استهدفتها حملة المقاطعة: تتضح هذه الرسالة بجلاء عند النظر إلى نوعية المنتجات الثلاثة التي استهدفتها الحملة، ودلالات أصحابها في الساحة السياسية بالمغرب. فشركة المحروقات مملوكة لوزير لم يغادر الحكومة منذ 2007، وزعيم حزب سياسي يمثل النخبة الاقتصادية، وشركة المياه المعدنية تملكها رئيسة الاتحاد العام للمقاولات بالمغرب، وشركة الحليب ترمز إلى الاستعمار الفرنسي. تلتقي هذه الشركات الثلاث التي شملتها حملة المقاطعة في قربها من دوائر القرار السياسي من ناحية، وممارستها بصيغة من الصيغ للاحتكار في مجال اشتغالها بالسوق المغربية، كما يرى محمد طيفوري.
عجز يبقى نتيجة حتمية وطبيعية لسنوات من العمل على إفقاد هذه المؤسسات مصداقيتها، بسبب خوف السلطة من أي منافسة أو صراع معها. معتمدا لذلك أسلوب التهديد والوعيد تارة، والتقريب وشراء الذمم تارة أخرى، ما أدى في المحصلة إلى تعريض الحقل المؤسساتي في البلاد لعملية تجريف ممنهجة أفقدت المواطن الثقة في كل المؤسسات التي يراها معزولة عنه.
 
الرسالة الثالثة: رفض عرض السلطة الجديد
 
تعمل الدولة العميقة منذ الإعلان عن نتائج تشريعيات أكتوبر 2016 على تحضير عرض سياسي جديد، لما بعد نهاية أفول نجم الإسلاميين، ممن يعيش حزبهم أسوأ أيامه منذ إعفاء رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران في مارس من العام الماضي 2017.
 
أساس هذا العرض، إسناد مهمة تدبير الشأن السياسي في البلاد مستقبلا إلى نخبة اقتصادية؛ يقودها زعيم "حزب التجمع الوطني للأحرار" وزير الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات الحالي، وصاحب شركة إفريقيا للمحروقات إحدى المنتوجات المشمولة بالمقاطعة، دون روح سياسية ولا أفق ديمقراطي.
 
قدم المقاطعون -إن لم يكونوا قاطبةً فعلى الأقل جزء منهم- إجابة غير مباشرة على هذا العرض، بإعلان الرفض المبكر لهذا العرض السياسي الجديد الذي تعمل السلطة على تهيئة بهدوء، محملين من وقع الاختيار عليه النصيب الأكبر من معاناتهم اليومية مع الأسعار والاحتكار، وقساوة ظروف العيش.
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.