ما يقوله مؤيدو النظام السوري خلف الأبواب المغلقة في حي 86 الدمشقي

مؤيدة للأسد: "هذا النظام قتلنا كما قتل غيرنا"

"لم نعد نريد هذا النظام. لقد قتلنا كما قتل غيرنا. نحن أفقر السوريين وأكثرهم تعرضاً للأهمال. صبغنا بصبغة طائفية. لكن لا مكان لنا في الجهة المقابلة. نحمل أسباب موتنا في هوياتنا وانتماءاتنا لذا فهذه معركة وجود. لن نتمكن من الخروج من أقلويتنا. فهذه صبغة لم نخترها وندفع ثمنها حياتنا اليوم"، هذا بعض ما تقوله من خلف الأبواب المغلقة مؤيدات لنظام الأسد في حي 86 الدمشقي. الصحفية السورية راما الجرمقاني تجول بموقع قنطرة في هذا الحي ذي الأغلبية المؤيدة وتحكي عن نسوة يتبادلن قصص عذاب يعانيها أبناؤهن على جبهات القتال.

بعد تحديق طويل بركاب السيارة، أُخذ صك الغفران من هوية أحدهم التي تنتمي إلى إحدى مناطق الساحل (التي ينتمي إليها رئيس النظام السوري). وبمنطق طائفي سَمح لنا الحاجز بالمرور إلى عشوائيات الجبل المحسوب إدارياً على (حي) المزة (في العاصمة السورية دمشق). أما اجتماعياً فلا يمكن أن يحسب سوى على عشوائيات سوريا التي بنيت على عجل لسد حاجة آلاف بل عشرات الآلاف من أبناء الريف السوري الذي قدموا إلى العاصمة لأسباب اقتصادية بمجملها.

تصرفات بعض الحواجز الطائفية لم تعد حكراً على حاجز المنطقة التي تسمى "المزة 86" في دمشق فقط. إذ إنه لم يسمح يوم عيد الفصح لأي فتاة محجبة أو شاب لا يحمل هوية تدل على أنه مسيحي بدخول منطقة باب توما (التي تقطنها أغلبية مسيحية في دمشق). في حين كانت السافرات يجتزن الحاجز دون أي تفتيش. فيما تعتبر إحدى "اللطميات" المشغَّلة على صوت عالٍ جوازَ سفر وبطاقة عسكرية عند بعض الحواجز.

سميت منطقة المزة 86 (الدمشقية) بقسميها "مدرسة وخزان" كما هو متعارف عليه لقاطنيها تيمناً بالكتيبة العسكرية 86 التي تتمركز في نفس المنطقة، كما تقع أطرافها على مقربة من سجن المزة، وكانت في مرمى قذائف الهاون من الأحياء الغربية كداريا والمعضمية.

 حضور قوي لجيش النظام السوري في حي المزة
حضور قوي لجيش النظام السوري في حي المزة: "تتميز منطقة الـ86 بتنوع سكاني وديموغرافي كبير رغم كل ما قيل. إذ لا تزال بعض العائلات التي تنتمي للطائفة السنية تقطن الجبل المطل على مدينة دمشق. مع تبدل في مواقع القوى، إذ تعيش الأقلية الكردية أو السنية التي تسكن المنطقة بمبدأ "الحيط الحيط ويارب السترة" والتي تضطر أن تعلن الولاء للنظام والجيش يومياً وبأكثر من مناسبة وأن تتغاضى عن بعض المضايقات -إن وجدت- لأسباب تتعلق بالاستمرار في السكن بالمنطقة"، كما تكتب راما الجرمفاني.

اضطرار دائم لإعلان تأييد للنظام والتغاضي عن المضايقات

تتميز منطقة الـ86 بتنوع سكاني وديموغرافي كبير رغم كل ما قيل. إذ لا تزال بعض العائلات التي تنتمي للطائفة السنية تقطن الجبل المطل على مدينة دمشق. مع تبدل في مواقع القوى، إذ تعيش الأقلية الكردية أو السنية التي تسكن المنطقة بمبدأ "الحيط الحيط ويارب السترة" والتي تضطر أن تعلن الولاء للنظام والجيش يومياً وبأكثر من مناسبة وأن تتغاضى عن بعض المضايقات -إن وجدت- لأسباب تتعلق بالاستمرار في السكن بالمنطقة.

يودعنا السائق في نقطة لا يقوى على الصعود بعدها لنكمل طريقنا مشياً في الجبل إلى البيوت المتراصة "تحت الله بقليل" كما تصفها محدثتي الأربعينية. كل شيء هنا يوحي بأن المكان تحول إلى خيمة عزاء كبيرة. صور العسكريين الكبيرة التي كتب تحت أغلبها "فداء للسيد الرئيس"، مع نسيان سوريا في كثير من الأحيان. تنظر السيدة نحوي وتخبرني بأن كل بيت هنا لديه جنازة أو "جرح مفتوح". كلٌ لديه فقيده الذي يبكيه مع كل فقيد آخر يتم تشييعه.

لا شيء يعلو على اللون الأسود في واجهات المحلات. حتى في واجهات محلات الملابس المستعملة الكثيرة التي اصطفت هنا. كل الملابس لها سعر، أما اللون الأسود فله سعر آخر أغلى عادة لكثرة الطلب عليه، بحسب ما تقول السيدة أيضاً.

على الطريق... وأمام أصعب الطرقات صعوداً إلى الجبل. مر من أمامنا عسكري على دراجته النارية فأحب أن يعاكسنا بلغته. التفت إلينا وقال بلهجة ساحلية طريفة: "دعوني أطلق النار عليكن وأريحكن من هذه الحياة". وانطلق مسرعاً. فاكتفينا بضحك انتهى بدمعات مخبأة في عيون كل منا. كيف أصبحنا "نتلطش"، قالت السيدة بابتسامة مريرة حافظت على صمتنا حتى باب المنزل.

وصلنا إلى منزل مضيفتي الصبية العشرينية والسيدة -التي وصلت على عتبة أربعينياتها- واللتين ورغم فارق العمر بينهما تقاسمتا الشقاء ذاته فخزّنت كلتيهما هموم عشرات السنين في تقاسيم وجهيهما.

أغلقنا الباب وبدأنا بإعداد كاسات المتة "المشروب الرسمي في منطقة 86"، كما قالت رؤى الفتاة العشرينية.

نسوة يتبادلن قصص عذاب يعانيها أبناؤهن على جبهات القتال

كانت السياسة هي الطبق الأشهر على موائد حديث السوريين في كل مكان. لكن خلف الأبواب المغلقة في منطقة الـ86 تحكى حكايات أخرى. تسر النسوة لبعضهن عن قصص العذاب التي يعانيها أبناؤهن على جبهات القتال. أخبار الحرب تتهافت من كل مكان. قصص الموت التي تروى يعتقد سامعها أنها الأسوأ، لكن وفي كل يوم يتفاجئ بوجود ما هو أسوء لدرجة تجعل بعض القصص غير قابلة للتصديق.

حي مزة جبل 86...استهدفته المعارضة لأن فيه أكثرية "مؤيدة للنظام السوري"
حي مزة جبل 86...استهدفته المعارضة لأن فيه "أكثرية مؤيدة للنظام السوري": بعد أن أسس رفعت الأسد، الشقيق الأصغر للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، سرايا الدفاع وأطلقَ عليها "اللواء 86" كان مقره نفس المكان الذي يطلق عليه الآن "مزة جبل 86". سمح في البداية لبعض عناصره ببناء غرف صغيره لإيوائهم، وكانت وقتها مبنية من اللبن والصفيح. مع مرور الزمن أحضر هؤلاء العسكريون عائلاتهم من قراهم الساحلية، وأصبحت فيما بعد منطقة سكنية ذات طابع عسكري. يعتبر حي "مزة جبل 86" حالة هجينة بين الريف والمدينة. فالأهالي الذين قدموا من الريف الساحلي نقلوا تركيبة بيوتهم الريفية معهم إلى المدينة. فالمنزل مؤلف من غرفتين في الغالب ولا تتجاوز مساحته مئة متر مربع في أحسن الأحوال. ومن كنيسة المزة وسوق الخضار في حي الشيخ سعد بدمشق، يبدأ الشارع الرئيسي المؤدي إلى حي "مزة جبل 86". هناك تستقبلك صورة كبيرة لرئيس النظام السوري بشار الأسد وحاجز عسكري يدقق في كل شيء.

تخبرني رؤى عن العسكري الذي وجد مقنوصاً لكنه كان يضغط على رغيف خبز يابس خبأه تحت سترته كي لا يموت جوعاً. وتسرد لي قصة قريب لها كان محاصراً في مشفى الكندي بحلب. وكيف كان يأكل هو ورفاقه الأدوية التي تحوي مواد مغذية كالمراهم والسيرومات كي يبقوا على قيد الحياة.

فقدت رؤى الكثير من أصدقائها وأقاربها لقد طحنتهم رحى الحرب. والأهم لصالح من؟ لا أحد يعلم. تعلق عيناها بالسقف الذي دهن على عجل وتروي لي قصصاً كثيرة عن أمهات رفضن تشييع أبنائهن بطريقة عسكرية. عن أمهات في تلك القرى البعيدة التي تقع في الجبال أيضاً. بكين أبناءهن أمام الضباط وأخبرنهم أنهن لم يربين الأولاد ليموتوا كي يبقى بشار الأسد في مكانه.

أخبرتني عن أمهات وقفن لساعات أايام أمام القصر الجمهوري في دمشق يطالبن بفك الحصار عن أولادهن أو أزواجهن في إحدى المناطق. ليقابل طلبهن بمبلغ من المال وورقة ترسل مع ساع لكتابة مطالبهن.

في شِباك الطائفية..."المسألة باتت مسألة وجود"

تقول سلوى السيدة الأربعينية "قريبتي فقدت ولدين في الحرب عندما كانا يقضيان الخدمة الإلزامية فأرسلت الثالث مباشرة ليتطوع في الجيش وأقنعته أنه سيتم سحبه بعد فترة كي يتقاضى على الأقل أجراً لقاء خدماته"، وأضافت بأسى: "لمن نخسر كل هؤلاء لا نعلم. لم يعد هناك شبان في الساحل".

حاولت مناقشتها بعبثية الحرب واتخاذ موقف فقاطعتني رؤى لتقول "المسألة لم تعد مسألة نظام ومعارضة. المسألة بالنسبة لنا -وآسفة على (نا) الجماعة، لأن الوضع أوصلنا للحديث بمنطق طائفي: المسألة بالنسبة لنا باتت مسألة وجود. نحن مهددون بسبب هويتنا. لا يمكن الوقوف متفرجين".

يعتبر العديد من المجندين والمتطوعين "سهيل الحسن" (الموالي للنظام السوري) أو من يعرف بـ"النمر" رمزاً للقائد المغوار لكونه القائد الميداني الأكثر حرصاً على حياة أفراد مجموعته. ولا يغامر بدخول منطقة دون خطة عسكرية محكمة ودعم لوجستي كبير. كما أنه يتمتع بكلمة مسموعة عند القيادات العليا، لذا فهو يحصل على الدعم بشكل مباشر ويتواصل مع الرئيس مباشرة دون الحاجة للعودة إلى تراتبية اتخاذ القرار في الجيش السوري، فضلاً عن عن دوره في عدة معارك مهمة حسمت لصالح النظام في ريف حماه وريف دمشق وغيرها. فحيث يفتقد السوريون المؤيدون اليوم، وهم ليسوا قلة على الإطلاق، لفكرة القائد الموثوق به على الأرض، برز اسم "النمر" واللواء "عصام زهر الدين" الذي ذاع صيته بعد المعارك في دير الزور.

تحدثني سلوى عن خيرة شباب الساحل الذين يتقاتلون اليوم للخدمة في صفوف مجموعة "النمر". إذا ما اضطروا للذهاب إلى الخدمة فهم يعلمون بأنهم لن يموتوا جوعاً أو جراء إخبارية كاذبة من أحدهم على الأقل.

خلف الأبواب المغلقة تحاول الكبيرات بالسن إقناع الأبناء بأن ما يحدث له أصول تاريخية وقد بشر به من قبل وأن العلويين سينتصرون في هذه المعركة لكن كلا منهم يعلم أن التاريخ لم يستطع التنبؤ بداعش ولا النصرة ولا غيرها، وأن أسوأ الكوابيس لم تكن تحوي جزءاً مما يحدث.

تأخذنا الأحاديث الكثيرة التي تدور في فلك الحرب، لأسمع اعترافاً تسر لي به المرأتان: لم نعد نريد هذا النظام لقد قتلنا كما قتل غيرنا. نحن أفقر السوريين وأكثرهم تعرضاً للأهمال. صبغنا بصبغة طائفية. لكن لا مكان لنا في الجهة المقابلة. نحمل أسباب موتنا في هوياتنا وانتماءاتنا. لذا فهذه معركة وجود. لن نتمكن من الخروج من أقلويتنا. فهذه صبغة لم نخترها ندفع ثمنها حياتنا اليوم.

أغلقت العيون كما الأبواب والأفكار تدور حول هذه الحرب العبثية التي تأخذ كل يوم معها ضحايا جدد. لكن "اليوم يجب التفكير بمعنى آخر للضحايا. ليس الضحايا هم من يموت من المدنيين فقط. هناك ضحايا من نوع آخر يموتون لحرب ليست حربهم. يدفعون ثمن أخطاء غيرهم. هناك ضحايا من نوع آخر. يقتلون يومياً مخلفين وراءهم موتى أحياء. فقط لأنه وحتى اللحظة ما زال في سوريا من يحاسب النظام على طائفته لا على جرائمه"، تهمس جارتي قبل إلقاء تحية ما قبل النوم.

 

راما الجرمقاني

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : مؤيدة للأسد: "هذا النظام قتلنا كما قتل غيرنا"

ليش هالعداء والحقد على البلد ولووووووو ... محور مقالك طائفي، وعم تتبني الفكرة المستهلكة القديمة اللي بتسيء لكل البيئات المؤيدة للدولة القائمة وهدا خيانة لبيئات هي جزء من سوريا اللي ربيتي بمدارسها واحدى جامعاتها ....

من سوريا17.02.2017 | 12:59 Uhr