كيف يمكن أن تؤثر القطيعة بين الجزائر والرباط على مزدوجي الجنسية والعمال المغاربة في الجزائر؟
مخاوف على مزدوجي الجنسية والعمال المغاربة

"نداء إلى العقل" لحلّ الأزمة بين الجزائر والمغرب

بعد أيام من قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، دعت عشرات الشخصيات من المجتمع المدني البلدين إلى "وقف التصعيد"، مؤكدة رفض "هذه الوضعية التي تتنافى مع مصالح الشعبين والمنطقة".

أصدرت أكثر من مئتي شخصية مغربية وجزائرية من المجتمع المدني "نداء إلى العقل" و"وقف التصعيد" بين الدولتين، في عريضة نشرت اليوم السبت (الرابع من أيلول/سبتمبر 2021) بعد أيام من قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الرباط.

ودعت العريضة إلى "وقف التصعيد وتوطيد أواصر المحبة والتعاون، ودكّ الدعوات للمواجهة والعداء، وبناء الغد المشترك الواعد". وأعلن الموقعون وهم مثقفون وأكاديميون وناشطون في المجتمع المدني وغالبيتهم من المغرب، رفض "هذه الوضعية المؤدية إلى مواجهة غير طبيعية (...) تتنافى مع مصالح الشعبين والمنطقة".

وقال أحد الموقعين في تصريح نشر على قناة على يوتيوب: "ننظر بقلق شديد جداً للتصعيد الواقع بين الدولتين (...) ونعتبر أن هذا التصعيد منافٍ للمنطق ولروح الشعبين"، وأضاف: "واجب المنظمات المدنية أن تقف في وجه هذا التصعيد وأن تواجه قادة بلدانها بأن الحلول التصعيدية مرفوضة وبأن مطلب التقارب والتآخي والبناء المشترك هو المطلب الوحيد وبأن المشاكل الحالية لا يمكن علاجها بقطع العلاقات".

خلفيات قطع الجزائر العلاقات الدبلوماسية مع المغرب

وكانت الجزائر أعلنت في 24 آب/أغسطس قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط لاتهامها بارتكاب "أعمال عدائية" بعد أشهر من التوتر بين الدولتين. وأعرب المغرب من جانبه عن "الأسف لهذا القرار غير المبرّر تماماً"، مؤكداً أنه "يرفض بشكل قاطع المبررات الزائفة، بل العبثية التي انبنى عليها".

وتشهد علاقات الجارين توتراً منذ عقود، وخصوصاً بسبب ملف الصحراء الغربية الشائك. وكان العاهل المغربي محمد السادس دعا في نهاية تموز/يوليو الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى "تغليب منطق الحكمة" و"العمل سوياً (...) على تطوير العلاقات الأخوية".

وسبق للمغرب أن قطع علاقاته مع الجزائر عام 1976 بعد اعتراف الأخيرة بقيام الجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية. وكانت الحدود قد أغلقت بصورة رسمية بين الدولتين في 16 آب/أغسطس 1994.

ما يجمع بين البلدين أكثر مما يفرق

وفيما يتعلق بالتداعيات السلبية النانجة عن إعلان الجزائر قطع علاقاتها الديبلوماسية مع المغرب، بدأ القلق يتسرب إلى عشرات العمال المغاربة في الجزائر حول مستقبلهم المهني، خاصة وأن هناك ما لا يقل عن 50 ألف مواطن مغربي يعملون في الجزائر بشكل رسمي، معظمهم في مدينة وهران والجزائر العاصمة.

خلال ستين عاما ظلت حدود الجزائر والمغرب مغلقة طيلة 45 عاما
العلاقات بين المغرب والجزائر متوترة منذ عقود لأسباب أهمها قضية الصحراء الغربية والحدود المغلقة بين البلدين منذ عام 1994. وتساند الجزائر جبهة البوليساريو التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية في حين تعتبر الرباط المنطقة جزءا من الأراضي المغربية.

وسلطت صحيفة "لوموند" الفرنسية مؤخرا الضوء عن هذه الفئة وعن حاملي جنسية البلدين من خلال نقل التحديات التي يمكن أن يواجهوها وعكس استشرافهم لمستقبلهم في ظل الوضع الحالي.

وذكرت الصحيفة أن قرار السلطات الجزائرية، يأتي في ظل الأزمة الصحية الناجمة عن وباء كوفيد- 19، وهو الأمر الذي زاد وضع العمال المغاربة في الجزائر تعقيدا، وإسماعيل فريح، واحد منهم، شاب قادم من مدينة فاس شمال شرق المغرب ويعمل في مجال الجبس والتصميم الداخلي في بلدة بوروبة جنوب شرق العاصمة الجزائر. وفق "لوموند"، يظل إسماعيل مع صديقه أيوب -وهو مغربي يعمل أيضا في مجال البناء- حذرا بشأن العلاقات المتوترة بين الجزائر والمغرب.

يقول أيوب للصحيفة مازحاً: "لو كنت أفهم في السياسة، لما عملت في مواقع البناء. سأكون مرتدياً بدلة وربطة عنق، وسيكون لدي حزبي الخاص أو مقعد في البرلمان. لكن صحيح أنه منذ إعلان الجزائر عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، أصبحت أخرج قليلاً وأخشى من أن يتم اعتقالي أو ترحيلي".

لفهم هذه المخاوف تعود "لوموند" إلى الخلافات بين البلدين في سبعينات القرن الماضي: تظلمات أو شكاوى تشمل "نزع ملكية أراضي الجزائريين المقيمين في المغرب" عام 1973 والتي تشير إليها الصحافة الجزائرية بانتظام. ثم طرد الجزائر عام 1975 آلاف المواطنين المغاربة إثر فتور العلاقات سببه قضية الصحراء الغربية.

ورغم تطمينات وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، بأن قرار بلاده لن "يؤثر سلبا على الجزائريين المقيمين في المغرب والمغاربة المقيمين في الجزائر"، والإبقاء على القنصليات المغربية في وهران وسيدي بلعباس غربي الجزائر، مفتوحة، تذكر الصحيفة أن هناك قلقا ملموسا بين العديد من العمال المغاربة، بشأن عواقب "هذا التمزق"، خاصة أن "وضعهم الإداري حساس أصلاً".

يقول الشاب المغربي أيوب الذي يعيش في الجزائر منذ 11 عاما لـ"لوموند": "لدي فريق من العمال المؤهلين ولدي بعثات في عدة مدن بالبلاد، لكن لا يمكنني فتح شركة. بفضل راتبي وانخفاض تكلفة المعيشة هنا، تمكنت من شراء منزل في فاس وسيارة في الجزائر. أرغب في الحصول على بطاقة إقامة أو ربما جنسية، إذا أمكنني ذلك.

تذكر الصحيفة أن أيوب كان يخطط لإحضار زوجته وابنته إلى الجزائر قبل أن تؤدي الأزمة الصحية إلى توقف خطته. إذ لم ير عائلته في المغرب منذ عامين، ثم جاء بعدها الانهيار الدبلوماسي ليزيد الطينة بلّة.

وتؤكد "لوموند"، أن حالة أيوب ليست معزولة، مدللة على ذلك بما ذهب إليه الباحث في علم الاجتماع عيسى قادري، كون "المغاربة يشكلون أول جالية مغاربية تعيش في الجزائر مع 45109 شخصا مسجلين في 2014". واليوم، من المحتمل أن يكون عددهم أعلى "خاصة إذا أضفنا غير المسجلين والعمال الموسميين".

 العمال القادمون من المغرب ليسوا المتوجس الأوحد من تداعيات الأزمة الدبلوماسية؛ فإلى جانبهم نجد مزدوجي الجنسية ممن يحملون جنسية البلدين، إذ تذكر الصحيفة الفرنسية أنهم أيضا يجدون أنفسهم أمام تحد كبير جراء هذا التوتر الحاصل بين البلدين. و"ذلك هو حال الطالبة الجامعية (وهيبة) التي تنقل عنها "لوموند" قولها: "من المؤلم أن أرى بلديّ في مثل هذه الظروف. هذه القطيعة لا تؤدي إلا إلى تفاقم الاستياء بين الشعبين".

حسب التقرير، فإن الطالبة الجزائرية- المغربية، في سنتها الثانية من الصيدلة بوهران. تكاد قصتها الشخصية المليئة بالأحداث أن تكون مثل العلاقات السياسية بين البلدين المغاربيين.

تضيف "لوموند" نقلا عنها: " ولدت في وهران لأب جزائري وأم مغربية، وأمضيت حياتي كلها في الرباط، حيث توجهت والدتي للعيش هناك بعد طلاقها. منذ عامين، أدرس في وهران؛ لأنه في الجزائر الوصول إلى الجامعات أسهل وهناك معادلة الشهادات".

"كنا نتمنى فتح الحدود البرية (المغلقة منذ 1994 بين البلدين) ، لكن العكس هو الصحيح"، تتابع الشابة البالغة من العمر 22 عاما، "خاصة جراء الحرب التي يشنها رواد مواقع التواصل الاجتماعي الجزائريون والمغاربة. لا يمكن رؤية هذه الضغينة إلا على الإنترنت. الجميع يحترمني هنا، والجزائريون الآخرون يرحبون بي، الأكثر ضراوة هم أولئك الذين لم يغادروا الجزائر أو المغرب قط ". (أ ف ب، مونت كارلو الدولية)

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة