مرحلة السودان الانتقالية بعد البشير

حلم اللاجئين السودانيين بالعودة إلى دارفور

اتفاق تقاسم للسلطة يمهد الطريق لتحول ديمقراطي موعود وقع عليه في السودان قادة عسكريون ومؤيدون للديمقراطية، بعد حكم سلطوي استمر نحو ثلاثين سنة. لكن لاجئين -كانو قد فروا من عنف الإبادة في دارفور- متحفظون بشأن هذه الاتفاقية. مارتا فيدال التقت ببعضهم في عمان الأردنية، وتنقل همومهم إلى موقع قنطرة.

حين سمع أحمد يوسف أحمد أن عمر البشير قد أطيح به كان مبتهجاً في البداية. يقول أحمد (الذي فرّ من مسقط رأسه دارفور في عام 2003): "اعتقدت أنها كانت أفضل أخبار سمعتها في حياتي".

فقد كانت السودان في حالة اضطراب سياسي منذ الاحتجاجات التي اندلعت بسبب الأزمة الاقتصادية في كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي 2018 وانتشرت في جميع أنحاء البلاد مطالبة بإنهاء الحكم السلطوي للبشيرالذي دام طوال ثلاثة عقود. وفي 11 نيسان/أبريل 2019، أطاح الجيش بالبشير وأنشأ مجلساً عسكرياً انتقالياً.

كان أحمد بعمر الـ 16 عاماً حين حرقت القوات شبه العسكرية "الجنجويد" -التي وظّفتها حكومة البشير لقمع تمرّدٍ محليِّ- قريته في منطقة كرنوي، وقتلت أباه وسرقت ماشية عائلته. فعاش في مخيم للاجئين في تشاد لمدة 10 أعوام، ثم طلب اللجوء في الأردن، حيث يكافح -مثل معظم اللاجئين غير المسموح لهم بالعمل- من أجل سدِّ رمقه.

ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فقد نتج عن حملة البشير لمكافحة التمرد في دارفور مقتل ما لا يقل عن 300 ألف شخص ونزوح ما يزيد عن 2.7 مليون شخص منذ عام 2003. وقد وجّهت المحكمة الجنائية الدولية، بين عامي 2009 وَ 2010، إلى البشير ومسؤولين كبار آخرين تهمة الإبادة الجماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لدورهم المزعوم في الأعمال الوحشية.

رد فعل هادئ على الإطاحة بالبشير

على الرغم من أن سقوط البشير قُوبِل بالابتهاج، إلا أن أحمد كان حذراً. فهو يعرف أن الجنرالات الذين أزاحوه مرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالنظام القديم. كما رأسَ المجلسَ العسكري -الذي سيطر على الحكم- الفريقُ أول عبد الفتاح البرهان، وقد كان ضابط الاستخبارات العسكرية الذي ينسّق العمليات العسكرية في دارفور بين عامي 2003 وَ 2005. وأبرز أعضاء المجلس الجنرال محمد حمدان دقلو، المعروف على نطاق واسع باسم "حميدتي"، قائد قوات الدعم السريع الشبه العسكرية.

 

أحمد كان بعمر الـ 16 عاماً  حين حرقت القوات شبه العسكرية "الجنجويد" قريته - السودان. (photo: Marta Vidal)
كان أحمد بعمر الـ 16 عاماً حين حرقت القوات الشبه العسكرية "الجنجويد" -التي وظّفتها حكومة البشير لقمع تمرّدٍ محليِّ- قريته في منطقة كرنوي، وقتلت أباه وسرقت ماشية عائلته. فعاش في مخيم للاجئين في تشاد لمدة 10 أعوام، ثم طلب اللجوء في الأردن، حيث يكافح -مثل معظم اللاجئين غير المسموح لهم بالعمل- من أجل سدِّ رمقه.

 

أسّست حكومةُ البشير قواتِ حميدتي رسمياً في عام 2013، بَيْدَ أنها انبثقت من ميليشيات "الجنجويد" المخيفة التي حُشِدت لمحاربة عمليات التمرد في دارفور وغيرها من المناطق المهمّشة في جميع أنحاء السودان أوائل القرن الحادي والعشرين. تلقّى مرتزقة قوات الدعم السريع التأييد من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة للقتال في اليمن بوصفها جزءاً من التحالف الذي تقوده السعودية، كما نُشِروا لقمع المظاهرات في جميع أنحاء السودان لحماية حكومة البشير.

بعد إنشاء المجلس العسكري الانتقالي، استمرت الاحتجاجات بالمطالبة بالانتقال إلى حكم مدني، مما أجبر الجيش على الدخول في مفاوضات مع الائتلاف الأساسي المؤيد للديمقراطية. عُلِّقت جولات المحادثات عدة مرات وتوتّرت بسبب حملة قمع عنيفة -في 3 حزيران/يونيو 2019- أسفرت، وفقاً للجنة الأطباء المركزية التابعة للمعارضة، عن مقتل 128 شخصاً. بيد أنه في 17 تموز/يوليو 2019، أعلن المجلس العسكري والقادة المؤيدون للديمقراطية أنهم وصلوا لاتفاق تقاسم سلطة وسط ضغط متزايد من الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الإفريقي والحلفاء العرب.

وبعد شهر من ذلك، وقّع المجلسُ العسكري الحاكم في السودان والقادةُ المؤيدون للديمقراطية الاتفاقَ النهائي لتقاسم السلطة. وافق الطرفان على وثيقة إعلان دستوري بإنشاء مجلس انتقالي مدني-عسكري مشترك يتولى السلطة في أيلول/سبتمبر 2019 ليحكم السودان خلال السنوات الثلاث القادمة حتى إجراء الانتخابات.

 

 

لا تثقوا بالجنرالات

أثار الاتفاقُ احتفالاتٍ في شوارع العاصمة السودانية الخرطوم، التي امتلأت بالموسيقى، وأصوات أبواق السيارات ورفرفة الأعلام السودانية. لكن بالنسبة لِلَاجِئِي دارفور، الذين فرّوا من العنف والاضطهاد، كانت ردودُ الأفعال أكثر حذراً واتّسمت بضبط النفس. فالاتفاق قد وُقِّع من قبل الجنرالات الذين كانوا متورطين في حملة مكافحة التمرد الوحشية في دارفور.

يقول أحمد: "يدا حميدتي ملوثتان بالدم"، إذ يعتقد أحمد أنه ينبغي توجيه الاتهام للجنرال بارتكاب جرائم مزعومة في دارفور إضافة إلى العنف المستخدم لمواجهة المحتجين. بالنسبة للاجئين، أثبتت حملةُ القمعِ الوحشيّة، في 3 حزيران/يونيو 2019، أن هؤلاء الجنرالات لا يمكن الوثوق بهم لدعم أيّ نوع من الاتفاقات.

وعلى الرغم من عدم توجيه اتهامات إلى حميدتي حتى الآن، فقد استنكرت جماعات حقوق الإنسان الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها قواته. إِذْ وصف تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش -منشور في عام 2015- قواتِ الدعم السريع بأنهم "رجال من دون رحمة"، واتهم القوات التي يقودها حميدتي باغتصاب وقتل المدنيين في دارفور، وضربهم، وحرق البيوت ونهبها ومهاجمة القرى بشكل متكرر.
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.