ولكن في وسط ميدان تقسيم ينتصب نصبُّ الجمهورية التذكاري، هيكلُ تركيا أتاتورك، وهو مقام من حجر بلون سمك السلمون وبرونز لامع بلون أخضر، يهيمن عليه كله تمثال مؤسَّس الدولة.

وهذا النصبُّ يعرض أوَّلًا الحربَ ثم السلامَ وأتاتورك مع رفاقه بالزي الرسمي وبقبعة عالية من الفرو، ثم في بدلة وربطة عنق حول ياقة مرفوعة، وعيناه تنظران برؤية إلى المستقبل.

ومؤخَّرًا، بني على جانب الميدان مسجدٌ بقبة عالية، ومقابله مباشرة على الجانب الآخر من الميدان، يقع الآن مركز أتاتورك الثقافي الجديد بقبة الأوبرا الحمراء.

ومسجد تقسيم الجديد هو مشروع كان يحلم به الرئيس إردوغان ويقول عنه الناقدون إنَّ معماره كمركز تسوُّق أو كمبنى مطار، ولكن برسالة واضحة وقوة إقناع لمن يريدون الاقتناع، مثلما يقول آخرون.

فقد كان بوسع إردوغان لفترة طويلة الاعتماد في الانتخابات على نحو نصف أصوات الأتراك البالغ عددهم الإجمالي ثمانين مليون نسمة، ولكن هذا الدعم تراجع مؤخرًا بشكل واضح بحسب الاستطلاعات.

 

مركز أتاتورك الثقافي الجديد يعتبر في أفضل الأحوال محاولة لتصالح تركيا مع نفسها

 

تقع حديقة غيزي على جانب من الميدان بين المسجد ومركز أتاتورك الثقافي.

هذا المكان، الذي شهد في عام 2013 احتجاجات ومعارك شوارع، يعتبر أكثر من مجرَّد مساحة خضراء في وسط المدينة: فهذه الحديقة الصغيرة هي العنوان السياسي لمَنْ يعارضون رؤية إردوغان عن تركيا العثمانية.

ولكن مع ذلك يجب القول إنَّ جيل متنزه غيزي لم يعد يتمسَّك بشكل أعمى بأتاتورك. فهذا الجيل يراهن على تركيا المعاصرة.

 

تم افتتاح أول مسجد في ساحة تقسيم بإسطنبول بعد ثماني سنوات من احتجاجات شهدتها الساحة ضد إردوغان. Türkei Taksim Moschee in Istanbul Foto Getty Images
تم افتتاح أول مسجد في ساحة تقسيم بإسطنبول بعد ثماني سنوات من احتجاجات شهدتها الساحة ضد إردوغان: افتتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليوم الجمعة (28 أيار/مايو 2021) أول مسجد في ساحة تقسيم الشهيرة بإسطنبول، بعد ثماني سنوات من انطلاق الاحتجاجات التي هزت سلطته من هذه الساحة.ودلالة على الإقبال الشديد على حضور افتتاح المبنى الذي يجمع بين الطراز العثماني واستخدام مواد بناء معاصرة، صلى بضعة آلاف ممن لم يتمكنوا من الدخول في الساحة في الخارج. وبهذا المسجد القادر على استيعاب 4000 مصلٍ، ترك إردوغان بصماته في ساحة تقسيم الأشهر في العاصمة الاقتصادية التركية، وحقق حلماً عمره ثلاثون عاماً. فعندما كان إردوغان رئيساً لبلدية إسطنبول في التسعينيات، أعرب عن أسفه لعدم وجود مسجد في ساحة تقسيم، مشيراً إلى أن المبنى الديني الوحيد المرئي كان كنيسة أرثوذكسية تقع في مكان غير بعيد.

 

وأخيرًا، تنتصب أيضًا عند طرف ميدان تقسيم كنيسةُ آيا تريادا، الثالوث المقدَّس، وتحيط بها مجموعة من محلات الشاورما والمتاجر الرخيصة، وكأنَّها تحاصرها من كلِّ الجوانب.

وهذه الكاتدرائية الأرثوذكسية اليونانية تشير إلى ما كانت عليه إسطنبول قبل أتاتورك وإردوغان: فقد كانت بيزنطة، القسطنطينية مركز المسيحية القديمة في العصور القديمة والوسطى، وكانت بعد ذلك في عهد السلاطين عاصمة دولة متعدِّدة الأعراق والأديان ومتسامحة إلى حدّ ما.

وهنا في هذا المكان بنى مراد تابانلي أوغلو مركز أتاتورك الثقافي الجديد: بين حداثة أتاتورك الجمهورية وإسلام القرن الحادي والعشرين الإردوغاني. ليس من السهل بناء شيء جديد مع الحفاظ في الوقت نفسه على القديم، بناء شيء يُذكِّر بالعهد العثماني وبالعصر الجميل.

ولذلك ربَّما يجب النظر إلى مركز أتاتورك الثقافي الجديد-القديم كما يمكن أن يكون في أفضل الأحوال: كمحاولة ناجحة لتصالح تركيا قليلًا مع نفسها.

 

 

توماس أفيناريوس

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: زود دويتشه تسايتونغ / موقع قنطرة 2022

ar.Qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة