مسار جديد في السياسة الخارجية التركية

انفصال إردوغان عن الغرب؟ تركيا والتحول الوشيك نحو الشرق

ابتعاد تركيا عن الغرب منذ المحاولة الانقلابية في 15 تموز/يوليو 2016 تكتيك متعمّد لتعزيز قاعدة الدعم المحلي للحكومة التركية والاضطلاع بدور إقليمي تركي أقوى، وفق رؤية الباحث قدير يلدريم في تحليله التالي.

في أعقاب المحاولة الانقلابية في 15 تموز/يوليو الماضي، يبدو أن السياسة الخارجية التركية وجّهت أنظارها نحو الشرق. يعكس هذا التحول، خلافاً للاعتقادات السابقة، خياراً متعمداً اتّخذته تركيا، ويعود إلى ما قبل مرحلة 15 تموز/يوليو. الدافع وراء هذا التغيير هو الرغبة في تعزيز مكانة الحكومة داخلياً واعتماد سياسة خارجية أكثر استقلالية وقوة.

تحض التحاليل الراهنة للسياسة الخارجية التركية الغرب على إظهار تضامن أكبر مع المسؤولين المنتخبين الأتراك والمواطنين الذين عارضوا التدخلات غير الديمقراطية. تشير هذه التحليلات إلى أن تركيا بحاجة إلى "أصدقاء منطقيين" في هذا الظرف – الذي شهد اعتقال عشرات آلاف الأشخاص وحجزهم وصرفهم من عملهم ومحاكمتهم وتعذيبهم بتهمة التخطيط للانقلاب أو الإرهاب.

"تركيا تحتاج معاملة استثنائية في هذه المرحلة من التهديد الوجودي"

يفترض المحللون أن الحكومة التركية تتّبع نمط البقاء عبر الاكتفاء بالاستجابة للتطورات المحلية والدولية. في حال خرجت تركيا من المدار الغربي، سوف يُلقى اللوم مباشرةً على الغرب لإخفاقه في التجاوب مع المطالب التركية، كما جاء على لسان وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو. بحسب هذا الرأي، تحتاج تركيا إلى معاملة استثنائية في هذه المرحلة من التهديد الوجودي، وينبغي على الغرب أن "يتفهّم" تركيا، في إشارة ضمنية إلى فشل الغرب في تفهم الأوضاع المصرية في عام 2013.

بيد أن هذه التحاليل تغفل عن الطبيعة الحميمة والتفاعلية و"المتشابكة" للسياسات الخارجية والمحلية. فمثلما أن السياسة الخارجية قادرة على رسم اتجاه السياسة المحلية، بإمكان اعتبارات السياسة المحلية أن تطبع السياسة الخارجية في شكل حاسم.

مسيرة في أنقرة ضد الانقلاب 16 / 07 / 2016. (photo: Getty Images/AFP/A. Altan)
في الأعوام الأخيرة، أتقنت الحكومة التركية فنّ توجيه المشاعر العامة انطلاقاً من اعتبارات قومية وإثنية ودينية، فحشدت الدعم من أكثريات كبيرة. ليس صدفة أن الولايات المتحدة أصبحت محط الشكوك العامة في أعقاب محاولة الانقلاب في 15 تموز/يوليو (إما بصورة مباشرة عبر اتهامها بتنظيم الانقلاب، أو بصورة غير مباشرة عبر اتهامها بتحريض فتح الله غولن)، كما يرى الباحث قدير يلدريم.

الانفصال التركي المتوقَّع عن الكتلة الغربية؟

ليس الانفصال التركي المتوقَّع قريباً عن الكتلة الغربية الأول من نوعه في الشرق الأوسط، بل يتشارك نقاط تشابه مهمة مع انفصال مصر عن الغرب في عهد جمال عبد الناصر أو انفصال إيران عن الغرب في ظل روح الله الخميني، لناحية العناصر الشعبوية في نزعة العداء للولايات المتحدة وللغرب. يؤجّج القادة الشعبويون هذه المشاعر لدى السكّان الذين يبحثون بتلهّف عن جهة يلقون اللوم عليها. لكن على الرغم من هذه الخصائص المشتركة، لا تملي المعطيات الجيوسياسية التحوّل في السياسة الخارجية التركية. فتركيا لا تزال تتمتع بقيمة كبيرة نظراً إلى أهميتها الاستراتيجية بالنسبة إلى الغرب، وهذا ما أكّدت عليه من جديد الزيارات التي قام بها مسؤولون أميركيون وأوروبيون.

كما أن الاقتناعات الأيديولوجية للحكومة الحالية و"التسمم الغربي" المتصوَّر لا يفسّران مثل هذا التحوّل الدراماتيكي. فالأيديولوجيا الإسلامية لحزب العدالة والتنمية لم تحل دون اتّباعه سياسة خارجية غربية الطابع بطريقة واضحة طوال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

"مناورات تركية متعمدة ومدروسة رداً على المحاولة الانقلابية"

المناورات التي تلجأ إليها تركيا في السياسة الخارجية رداً على المحاولة الانقلابية متعمدة ومدروسة وتأتي نتيجة خيارٍ اتّخذه المعنيون – وليست رد فعل أو قراراً عاطفياً، بحسب الاعتقاد الشائع. يخدم التعديل المرتقب في توجُّه السياسة التركية أهدافاً محلية ودولية على السواء. فعلى المستوى المحلي، يسعى إلى تعزيز قاعدة الدعم للحكومة، لا سيما على ضوء زيادة الانتقادات لاضمحلال الحريات في البلاد.

لقد ولّدت المحاولة الانقلابية في 15 تموز/يوليو أجواءً كاد الناس ينسون فيها مزاعم الفساد التي انتشرت على نطاق واسع اعتباراً من العام 2013 ضد شخصيات قيادية في حزب العدالة والتنمية، منهم الرئيس رجب طيب أردوغان. لكن تدقيقاً دولياً جديداً انطلق في اتهامات الفساد على خلفية تطورَين اثنين. فقد جرى اعتقال مواطن إيراني-تركي يدعى رضا زراب، في ميامي بتهمة التهرب من العقوبات الإيرانية. تشير وثائق صادرة سابقاً عن المحكمة بأنه كانت تجمعه روابط عدة بمسؤولين أتراك كبار. وفي إيطاليا، يخضع بلال، نجل الرئيس أردوغان، للتحقيق بتهمة "تبييض مبلغ قدره حوالي مليار يورو (1.12 مليار دولار أميركي)". ويمكن أن تتسبّب القضيتان بخسارة الحكومة التركية المكاسب التي حققتها في تثبيت شرعيتها في الداخل منذ عام 2013.

في الأعوام الأخيرة، أتقنت الحكومة التركية فنّ توجيه المشاعر العامة انطلاقاً من اعتبارات قومية وإثنية ودينية، فحشدت الدعم من أكثريات كبيرة. ليس صدفة أن الولايات المتحدة أصبحت محط الشكوك العامة في أعقاب محاولة الانقلاب في 15 تموز/يوليو (إما بصورة مباشرة عبر اتهامها بتنظيم الانقلاب، أو بصورة غير مباشرة عبر اتهامها بتحريض فتح الله غولن).

تم القبض على رئيس أركان جيش بحر إيجه اللواء وقائد قيادة القوات البرية للناتو وغيرهما من القادة العسكريين التابعين "للكيان الموازي" بعد فشل الانقلاب العسكري. في أزمير  بتركيا في تاريخ 17 / 07 /  2016. (photo: picture-alliance/AA/E. Atalay)
تسريح نحو 45 في المئة من الجنرالات خطوة كبيرة بجميع المقاييس، وتؤشّر إلى تخطيط متأنٍّ لإعادة تكوين هيكلية الجيش، كما يكتب الباحث قدير يلدريم.

يعتبر عدد كبير من الأتراك أن "الولايات المتحدة تريد إلحاق الضرر بإردوغان لأنه قائد قوي حوّل تركيا إلى قوة إقليمية". كما أن مشاحنات المسؤولين الأتراك مع رئيسَي الوزراء الإيطالي والنمساوي ضربت وتراً حسّاساً. والرسائل القوية التي يوجّهها مسؤولون أتراك لإعادة العمل بعقوبة الإعدام تعرّض مساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي للخطر.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.