الحرية السياسية والديمقراطية

بالإضافة إلى العدالة الاجتماعية، زعم مهندسو ثورة العام 1979 أنّ الإطاحة بالملكية ستؤدّي إلى حرّية أكبر. غير أنّ الحماس والشعور بالتحرّر الوجيزَين بعد الثورة سرعان ما تلاشيا وحلّت محلّهما الأسلمة النظامية للدولة والمجتمع التي اعتمدها الحكّام الجدد. فبدا واضحاً في العقد الأوّل من الجمهورية الإسلامية أنّ تلك الديكتاتورية قد استُبدلت بديكتاتورية أخرى، أكثر وحشية حتّى.

 

 

 

 

فبين العامَين 1981 و1985، أُعدم حوالي 8 آلاف شخص، وقُتلت الأعداد نفسها في خلال ما سُمّي بـ”المجزرة الكبرى” التي وقعت في العام الأخير من الحرب الممتدّة بين العامَين 1980 و1988 ضدّ العراق. في المقابل، أُعدم أقلّ من مئة سجين سياسي في السنوات الثمانية السابقة للثورة (بين العامَين 1971 و1979). فباتت الجمهورية الإسلامية أحدَ الأنظمة الأكثر قمعاً في العالم، مع تسجيلها في الآونة الأخيرة معدّلَ الإعدام الأعلى عالمياً.

وفي خضمّ هذه العملية، خضعت التشكيلات الثلاثة السياسية الإيديولوجية المهيمنة أو الثقافات السياسية في إيران المعاصرة، أي القومية والاشتراكية والإسلاموية، للتضييق ليتمّ التركيز على الثقافة الأخيرة التي نجحت في دمج عناصر من التشكيلتَين الأخريَين. وعلى الرغم من ورود بعض التنوّع، تنحصر النخبة السياسية الجديدة بشكل عام ضمن شرائح مختلفة من الإسلاموية. فقد قمعت التعدديةَ السياسية التي نادت بها الحركة الثورية من دون أن تسمح الدولة بإنشاء حزب معارض فعلي.

بالمثل، واجهت الحركات التأسيسية في المجتمع المدني الإيراني، أي النساء والطلاب والعمّال، قمعاً نظامياً، ممّا قوّض قدراتها التنظيمية وجعلت المجتمع المدني الدينامي في إيران ضعيفاً مقارنة بالدولة.

واستهدف قمع الدولة أيضاً المنشقّين من مذاهب إيديولوجية متنوعة والأقليات غير الفارسية والصحافيين. فباتت إيران اليوم من أوّل الدول في العالم لناحية سجن الصحافيين، وقد صنّفتها منظمة “مراسلون بلا حدود” في المرتبة 170 من أصل 180. وفيما تُظهر صحافة الجمهورية الإسلامية درجة ملفتة من الحيوية والانفتاح ضمن خطوط النظام الحمراء، لطالما حظّرت السلطة القضائية الخاضعة للمتشدّدين إصدار المنشورات وزجّت الصحافيين في السجن.

ومع الإطاحة بالنظام الملكي القائم، وضعت الجمهورية الإسلامية نظاماً سياسياً غريباً اعتُبر تقليدياً أنّه قائم على ركنَين: الثيوقراطية (مع ترؤّس المرشد الأعلى الدولةَ) والجمهورية (مع مجلس نيابي ورئيس منتخبَين). غير أنّ الركن الثاني في هذا النظام هو في أفضل حالاته شبه جمهوري، إذ لا يسمح مجلس الأوصياء بالترشّح إلّا للمرشحين المُعتبَرين مؤيّدين للجمهورية الإسلامية.

بالتالي، يقف هذا التشكيل الفريد عقبة أساسية أمام إحلال الديمقراطية. فلا تزال المؤسّسات غير المنتخَبة مهيمِنة، فيما تبقى تلك المنتخَبة وفية للنظام. والأهم أنّ السلطوية الهجينة التي تعتمدها الجمهورية الإسلامية قد صمدت بشكل ملفت ضدّ التغيير السياسي الفعلي، ممّا أدّى إلى تفشّي إحباط شعبي واسع النطاق اليوم إزاء فرعَي النظام كليهما، أي إزاء مَن يُعرفون بالمعتدلين بالإضافة إلى المتشدّدين أيضاً.

 

المزيد من مقالات قنطرة: "طهران" تتحدّى "واشنطن"...سياسة حافة الهاوية تحت المجهر

إيران وأمريكا: حرب كلامية أم مواجهة شبه حتمية؟

"الهوة بين الدين وسلطة الدولة فتتسع باضطراد بالنسبة لأكثرية الإيرانيين"

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : إيران: بعد مرور أربعة عقود، هل وفت الثورة الإيرانية بوعودها؟

ستقوم ثورة عظمى ضد نظام المرشد الإيراني

نصرالدين20.08.2019 | 23:35 Uhr