الاستقلال غير قابل للفصل عن الحرية

انعكست معارضةُ الثورة المحتدمة للقوتين العظميين كلتيهما في الحرب الباردة، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في الشعار الثوري "لا شرقية ولا غربية، الجمهورية الإسلامية". غير أنّ عداء الثورة لواشنطن هو الذي سيطر على علاقات إيران الدولية.

وفيما وجدت إيران نفسها في مواجهة جيوسياسية مع الغرب، لم تكن يوماً مندمجة جيوسياسياً في الشرق. بدلاً من ذلك، وكما أظهرت سياسات روسيا والصين والهند في خلال العقوبات الأمريكية المفروضة المتزايدة، وجدت إيران نفسها مجبرة على تقديم تنازلات للقوى الآسيوية العظمى التي فضّلت دائماً علاقاتها مع واشنطن على علاقاتها مع طهران. نتيجة ذلك، شهدت إيران أنماطاً جديدة من التبعية للقوى العظمى الشرقية، بما أنّ مواجهتها ليست بخيارٍ طالما أنّ طهران على خلاف مع الدولة الأقوى في النظام الدولي.

وعلى ضوء هذه الخلفية، كيف بإمكان الإيرانيين أن يحفظوا رغبتهم القديمة في نيل الاستقلال في عالم مترابط في القرن الحادي والعشرين؟ لقد أصاب عميد دراسات سياسة إيران الخارجية الراحل روح الله رمضاني عندما ركّز على أنّه في عالم مترابط، ما من استقلال مطلق بل درجات من الاستقلال. بعبارة أخرى، ستواجه التنمية الوطنية في إيران صعوبة في حال حاولت اليوم على المحافظة على تعلّقها الإيديولوجي القوي بمفهوم مجرّدٍ عنوانه الاستقلال المطلق.

ويشكّل السياق السلطوي المحلّي في إيران تحدياً كبيراً آخر لصون الاستقلال، فهو يفضّل العلاقات الوثيقة مع الدولة السلطوية بدلاً من تلك الديمقراطية. فبهذه الطريقة لن يقلق الأمناء على الجمهورية الإسلامية المتشدّدون من احتمال أن تطرح أنظمة سلطوية شبيهة بنظامهم، مثل الصين وروسيا، مسائلَ مثل حقوق الإنسان والديمقراطية في العلاقات الثنائية. بالتالي، تكون النتيجة تفضيلاً جيوسياسياً لسياسة “النظر نحو الشرق” تميل إليه بالإجمال القوى المستفيدة سياسياً واقتصادياً من هذا التوجّه.

علي فتح الله نجاد هو زميل زائر في مركز بروكنجز الدوحة، وهو أيضاً أستاذ مساعد بداوم جزئي في مركز دراسات الخليج بجامعة قطر. وكان في السابق زميلاً مشاركاً في برنامج ما بعد الدكتوراه في مشروع إيران التابع لكلية كنيدي بجامعة هارفارد وزميلاً مساعداً في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع للمجلس الألماني للعلاقات الخارجية (DGAP) – حيث عمل كخبير داخلي في الشؤون الإيرانية. ويشغل حالياً منصب باحث مشارك في مركز سياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بجامعة برلين الحرّة (FU)، وباحث مشاركاً في مركز دراسات التعاون الدولي والتنمية (CECID) في جامعة بروكسيل الحرة (ULB).
يحمل فتح الله نجاد درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من مركز دراسات التنمية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن (SOAS) وكان موضوع أطروحته علاقات إيران الدولية في أوائل القرن الواحد والعشرين في ظل نظام عالمي متغير. وقد درّس العولمة والتنمية في غرب آسيا وشمال أفريقيا، وإيران المعاصرة والثورات العربية في عدد من الجامعات والمراكز، ومنها مركز سياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بجامعة برلين الحرّة، وجامعة وستمنستر وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن.

وقد أطالت عداوة إيران مع الولايات المتحدة علاقة النزاع التي تربطها بالعالم الغربي. فهي لم تمنعها من تطوير كامل قدراتها عبر إنشاء علاقات وطيدة مع الغرب والشرق على حدّ سواء فحسب، بل دفعت بها إلى أحضان قوى الشرق التي استغلّت انعزال إيران عن الغرب وحاجتها إلى الشرق أيضاً.

لهذا السبب، أصاب رمضاني في ملاحظته أنّ إقامة مؤسّسة سياسية ديمقراطية شرطٌ مسبق أساسي لتفادي التبعية، مشيراً إلى أنّ “انهيار سياسة القانون والسلطة القضائية المسيّسة سيُضعفان في نهاية المطاف قدرة إيران على الاحتفاظ باستقلالها في خضم السياسات العالمية.” وشدّد أيضاً على أنّ الحرية والاستقلال غير قابلَين للفصل.

وقد يتيح مناخٌ سياسي أكثر انفتاحاً، كما في الهند مثلاً، إقامة حوارات داخلية حول خيارات السياسة الخارجية وما يقف على المحكّ بالنسبة إلى السكان. بذلك، ستُحسّن الدمقرطة إلى حدّ كبير صورةَ إيران الدولية وربّما تعزّز قدرتَها التفاوضية مع القوى العظمى، ولا سيّما نظراً إلى ميل القوى الغربية نحو استعمال حقوق الإنسان أداةً لتوليد ضغط سياسي.

الخاتمة

إذاً، هل وفت الثورة الإيرانية بوعودها في نهاية المطاف؟

على الرغم من بعض الإنجازات، تبدو الصورة الإجمالية كئيبة، ولا سيّما عندما يتعلّق الأمر بوعود تحقيق الديمقراطية. أمّا إذا من الممكن عكس هذه الأعمال، فهذه مسألة أخرى.

فالأزمة الثلاثية الحادّة – الاجتماعية الاقتصادية والسياسية والبيئية – التي تواجهها الجمهورية الإسلامية في عامها الأربعين والشعورُ المتنامي بالخيبة والإحباط الشعبيَّين الذي برز بقوّة في خلال الاضطرابات في العام 2017-2018 والمواجهةُ المستمرة مع الدولة الأقوى في العالم لا تترك أملاً يُذكر بأنّ هذا النظام عينه الذي عجز عن الإيفاء بوعوده لعقود سينجح في المستقبل.

 

 

الكاتب: علي فتح الله نجاد

حقوق النشر: بروكنجز 2019

موقع قنطرة ينشر هذا المقال البحثي بالاتفاق مع مركز بروكنجز 

 

 

تعرف على الكاتب:

علي فتح الله نجاد هو زميل زائر في مركز بروكنجز الدوحة، وهو أيضاً أستاذ مساعد بداوم جزئي في مركز دراسات الخليج بجامعة قطر. وكان في السابق زميلاً مشاركاً في برنامج ما بعد الدكتوراه في مشروع إيران التابع لكلية كنيدي بجامعة هارفارد وزميلاً مساعداً في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع للمجلس الألماني للعلاقات الخارجية (DGAP) – حيث عمل كخبير داخلي في الشؤون الإيرانية. ويشغل حالياً منصب باحث مشارك في مركز سياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بجامعة برلين الحرّة (FU)، وباحث مشاركاً في مركز دراسات التعاون الدولي والتنمية (CECID) في جامعة بروكسيل الحرة (ULB).

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : إيران: بعد مرور أربعة عقود، هل وفت الثورة الإيرانية بوعودها؟

ستقوم ثورة عظمى ضد نظام المرشد الإيراني

نصرالدين20.08.2019 | 23:35 Uhr