محاولات تقويض الديمقراطية في السودان 

وقد عمدت قوات الدعم السريع، إلى جانب تقويضها للديمقراطية في السودان من خلال التمرد، إلى توسيع وصولها إلى الموارد الاقتصادية التي من شأنها أن تضمن قوتها المؤسسية في المدى الطويل. وأبرم حميدتي، على الرغم من انتقاده علناً الممارسات الكلبتوقراطية للدوائر المقرّبة من البشير، صفقة مع البشير في أواخر عام 2018، ما أتاح له مصادرة كمية من الذهب بقيمة 30 مليون دولار عن طريق شركته العائلية الجنيد. وتقوم قوات الدعم السريع أيضاً بحراسة مناجم الذهب في دارفور وجنوب كردفان، وحافظت على السيطرة على موارد دارفور الاقتصادية من خلال تدمير خمس وأربعين قرية وتنفيذ عمليات إعدام خارج نطاق القانون. وتمكّنت قوات الدعم السريع، كما يُشاع، من وضع يدها على ملايين اليوروات التي قدّمها الاتحاد الأوروبي في إطار مساعداته المالية إلى السودان، والتي أراد صانعو السياسات الأوروبيون من خلالها الحؤول دون تدفّق موجات من اللاجئين السودانيين إلى أوروبا عن طريق شمال أفريقيا.

على الرغم من أن المرحلة الانتقالية في السودان كانت موضع ثناء دولي واسع، بما في ذلك من أعتى خصوم الثورة السودانية، مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة وروسيا، لا تزال قوى خارجية تدعم الجهود التي تبذلها قوات الدعم السريع لحرف الانتقال الديمقراطي عن مساره الصحيح.

تشارك قوات الدعم السريع بفاعلية في التدخل العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن، وفي تموز/يوليو 2019، انتشر ألف عنصر من قوات الدعم السريع في ليبيا دعماً للهجوم الذي شنّه خليفة حفتر، زعيم الجيش الوطني الليبي المنضوي إلى جانب الإمارات العربية المتحدة، على طرابلس. وقد أمّنت هذه الحملات العسكرية للدوائر المقربة من حميدتي العملة الصعبة التي هي بأمس الحاجة إليها، وتُشكّل مؤسسات مالية في دبي ملاذاً آمناً لإيرادات الذهب غير المشروعة التي تجنيها قوات الدعم السريع. لقد بنت روسيا علاقات إيجابية مع الحكومة الانتقالية وسعت إلى تصحيح الضرر الذي لحق بسمعتها بسبب قيامها بنشر متعاقدين عسكريين ينتمون إلى جهات خاصة دعماً للبشير، ولكن معارضتها لوجود قوة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة في دارفور تساهم، على نحوٍ غير مباشر، في تعزيز نفوذ قوات الدعم السريع في تلك المنطقة.

على الرغم من الدعم الخارجي المستمر لحميدتي، يمكن أن يواجه التحدّي الذي ترفعه قوات الدعم السريع في وجه الانتقال الديمقراطي بعض العراقيل الجديدة في الأشهر المقبلة. فالقرارالذي اتخذته السودان بخفض وجودها العسكري في اليمن من 15000 جندي إلى 657 جندياً فقط في 14 كانون الثاني/يناير، يتسبب بتقليص أحد أهم مصادر الإيرادات التي تعوّل عليها قوات الدعم السريع. ويمكن أن تؤدّي مظاهر الاعتراض على مشاركة السودان في الحملات العسكرية الخارجية، مثل الاحتجاجات المتكررة أمام سفارة الإمارات في الخرطوم، إلى مزيد من الانحسار في وجود قوات الدعم السريع في ليبيا واليمن.

والقرار الذي اتخذه رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، مالك عقار، بالانفتاح على الخرطوم من أجل وضع حد للنزاع في جنوب كردفان قد يتيح للقوات المسلحة السودانية تحقيق نفوذ أكبر ومقاومة الهيمنة التي تمارسها قوات الدعم السريع. وفي حال أزيل السودان عن القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب ورُفِعت العقوبات المفروضة على البلاد بسبب هذا التصنيف، فقد تحصل الخرطوم على مساعدات مالية من صندوق النقد الدولي. ويمكن أن يؤدّي ذلك إلى تعزيز الثقة العامة بالحكومة المدنية، وإلى تسهيل الإصلاحات الاقتصادية وإقناع الجهات الخارجية الراعية لقوات الدعم السريع بتقديم الدعم إلى المؤسسات الشرعية في البلاد.

لقد أحرز السودان تقدّماً مشجّعاً نحو انتقال ديمقراطي من شأنه أن يدفع بالجيش السوداني إلى العودة إلى ثكناته، ولكن حرب العصابات بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية تُهدّد مستقبل البلاد السياسي. فعملية الانتقال السياسي تتوقف على قدرة الخرطوم على إنهاء النزاعات الأهلية، واستقطاب الدعم الأميركي للإصلاحات الاقتصادية، ووضع حد للتأثير الخبيث الذي تمارسه الجهات الخارجية الراعية لقوات الدعم السريع.

 

سامويل راماني

حقوق النشر: كارنيغي 2020

سامويل راماني طالب دكتوراه في قسم السياسة والعلاقات الدولية في كلية سانت أنتوني في جامعة أكسفورد. لمتابعته عبر تويتر @samramani2.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة