لجنة اقتراع لمواطنين سوريين في لبنان في خيمة. مقصورات الاقتراع معزولة بستارات معلقة عليها الأعلام السورية. تتدلى صور المرشحين الثلاثة من السقف.
مسرحية انتخابات بشار الأسد الرئاسية

حقيقة الولاء والشرعية في سوريا

من خلال إعادة انتخابه سعى رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى إخضاع المواطنين السوريين والحصول على المال من الخارج - فهو بحاجة إليهما من أجل الحفاظ على سلطته. تحليل الصحفية الألمانية كريستين هيلبيرغ.

الفوز بنسبة مائة في المائة - ما ادّعاه لنفسه أبوه حافظ الأسد في عام 1999، لم يعد يجرؤ على فعله اليوم ابنه بشار؛ الذي اكتفى بنسبة خمسة وتسعين في المائة، فمن المفترض في آخر المطاف أن تبدو انتخابات ديمقراطية وهذا يتطلب وجود مرشَّحين معارضين.

من المعروف أنَّ عملية الاقتراع في سوريا لا تفي بمعايير الانتخابات الحرة والنزيهة، وهذا ليس رأي وزراء الخارجية الغربيين فقط، بل هو معلومة سياسية أساسية.

خمسون عامًا من نظام الحزب الواحد تحت حكم نفس العشيرة ومن دون وجود لحرية التعبير والصحافة ومن دون وجود لمشاركة مستقلة من جانب المجتمع المدني، بل مع وجود أجهزة استخبارات في كلِّ مكان وتعذيب ممنهج ومؤسَّسات حكومية استولى عليها النظام من أجل الحفاظ على السلطة - في ظلِّ هذه الظروف فإنَّ العملية الانتخابية تخضع منذ اعتماد المرشَّحين وحتى فرز الأصوات لسيطرة الحكَّام.

لا توجد في سوريا أية هيئة مستقلة يمكنها أن تضمن سير الانتخابات بحرية؛ أمَّا "مراقبو الانتخابات" التابعون للأسد القادمون من روسيا وإيران والصين وفنزويلا فهم جزء من هذه المسرحية.

ولاء في الداخل وشرعية نحو الخارج

ولماذا إذًا كلُّ هذا؟ لماذا إنفاق كلّ هذا المال على ملصقات تحمل صور بشار الأسد بحجم أكبر بكثير من الحجم الطبيعي وعلى الحفلات الانتخابية في حين أنَّ نحو تسعين في المائة من الناس الموجودين في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام يعيشون في فقر؟

 

ابتهاج بعض الناس بصورة رئيس النظام السوري بشار الأسد. Foto: Hassan Ammar/AP Photo/picture-alliance
هتافات أنصار الأسد في دمشق. يعرف السوريون والسوريات أنَّ "إظهار الولاء في دولة بوليسية يضمن لهم بقاءهم، ويمنحهم إمكانية الوصول إلى المساعدات أو الحصول على تصاريح من أجهزة المخابرات"، مثلما تكتب كريستين هيلبيرغ في تحليلها: "لا يهتم الحكَّام بحقيقة أنَّ هذا الولاء مُفتعل، وما يهمهم هو ضرورة أن يلعب رعاياهم دورهم بشكل يُعتمد عليه وألَّا يُشكِّكوا في الحكم بشكل علني".

 

تُحقِّق هذه الانتخابات هدفًا مزدوجًا: فهي تفرض الولاء في الداخل وتخلق الشرعية نحو الخارج. والأسد يحتاجهما من أجل تحويل انتصاره العسكري المحقَّق من قِبَل روسيا وإيران إلى حالة استقرار سياسي واقتصادي. وذلك لأنَّ الفقر في مناطق النظام بات أكبر بكثير من أي وقت: إذ إنَّ التضخُّم وارتفاع الأسعار والبنية التحتية المدمَّرة من قِبَل سلاح الجو الروسي والسوري تجعل الحياة اليومية لا تطاق للناس.

وبالرغم من أنَّ الغرب يقوم بتزويد السوريين بالمساعدات الإنسانية -يدفع الاتِّحاد الأوروبي والولايات المتَّحدة الأمريكية ثمانين في المائة من مساعدات الأمم المتَّحدة لسوريا- لكنه يرفض تمويل النظام لإعادة الإعمار. أمَّا موسكو وطهران فلا تملكان الأموال الخاصة بذلك. ولكن من دون وجود استثمارات أجنبية لم يعد بإمكان الأسد دفع أجور مؤيديه وقد بات عرضة للضغوط.

في الأشهر الماضية، انتقد العشراتُ من أنصار النظام (صحافيون وقضاة وموظفون حكوميون) سوء الإدارة والفساد على وسائل التواصل الاجتماعي. وكونهم جزءًا من النظام فهم يشاهدون كيف يقوم الأشخاص الذين يُبقُون الأسد في السلطة بإثراء أنفسهم من خلال الرشاوى والتهريب وأعمال السوق السوداء وتجارة المخدرات وتسويق المساعدات الإنسانية.

لقد حوَّلت عقود من الكليبتوقراطية (حكم اللصوص) سوريا إلى دولة مافيا. تم اعتقال المنتقدين، ولكن أطلاق سراحهم ضمن إطار عفو - في الوقت المناسب تمامًا للانتخابات. هذا الاعتقال مجرَّد درس لهم، ففي نهاية المطاف لا يريد النظام إثارة شعبه ضدَّه.

وفي الجنوب ليس من السهل احتواء المعارضة. وفي درعا، حيث اندلعت أولى الاحتجاجات الكبرى عام 2011، تم في يوم الانتخابات رفعُ لافتة كُتب عليها "لا يوجد مستقبل للسوريين مع قاتل". وقد انتقد ممثِّلو العشائر والشخصيات المؤثِّرة في المحافظة الانتخابات قبل إجرائها ووصفوها بأنَّها غير شرعية، ونتيجة لذلك أغلق النظام مراكز الاقتراع هناك.

وفي المقابل، يظهر في أماكن أخرى كيف يحاول السوريون والسوريات إثبات ولائهم بطريقة شعائرية - أي من خلال تركهم "منظِّمي الانتخابات" يصوِّتون بدلًا عنهم. يمكن ملاحظة ذلك في مقطع فيديو يتم تداوله على الإنترنت منذ عدة أيَّام ويبدو أنَّه مصوَّر في مركز اقتراع سوري. يظهر فيه الرجل خلف صندوق الاقتراع وهو يضع علامة على المربع بجانب اسم الأسد على أوراق الاقتراع التي يضعها في مغلف ويسلمها "للناخبين" من فوق الطاولة أو يضعها هو بنفسه في صندوق الاقتراع البلاستيكي، ثم يُعيد بطاقات الهوية بعد تدوين المعلومات الشخصية.

الولاء يضمن البقاء

والناس في سوريا لم يعتادوا إلَّا على مثل هذه الانتخابات. وهم يعرفون أنَّ إظهار الولاء في دولة بوليسية يضمن لهم بقاءهم، ويمنحهم إمكانية الوصول إلى المساعدات أو الحصول على تصاريح من أجهزة المخابرات. ومن جانبهم لا يهتم الحكَّام بحقيقة أنَّ هذا الولاء مُفتعل، وما يهمهم هو ضرورة أن يلعب رعاياهم دورهم بشكل يُعتمد عليه وألَّا يُشكِّكوا في الحكم بشكل علني.

يوجد بطبيعة الحال موالون حقيقيون - فالمستفيدون من النظام وهياكله يهتفون له عن قناعة. والآخرون غير القادرين على مغادرة البلاد يتصرَّفون بدافع الخوف واليأس. وقد ترسَّخ لدى الكثيرين استنتاج مفاده أنَّ الأسد يرتكب أفعالًا مروِّعة ولكنه لن يتخلى عن السلطة، بحيث أنَّ الأفضل لهم أن يتصالحوا مع نظامه طالما لا يوجد بديل ملموس.

والهدف من ذلك هو أن تظهر نحو الخارج صورة رئيس ثابت حاصل على شرعيته من قِبَل الشعب، لا يمكن تجاوزه بعد عشر سنوات من الحرب. ولقد بدأت هذه الخطة تؤتي ثمارها في المنطقة. فقد باتت جامعة الدول العربية تفكِّر في إعادة قبول سوريا مرة أخرى في عضويتها، وذلك أيضًا حتى لا تُتْرَك سوريا للمنافسين الإقليميين إيران وتركيا.

 

الانتخابات الرئاسية السورية - بشار الأسد. Foto: Mikhail Voskresenskiy/sputnik/dpa/picture-alliance
فرز الأصوات في مركز انتخابي: في بعض مراكز الاقتراع ترك السوريون "منظِّمي الانتخابات" يصوِّتون بدلًا عنهم، مثلما تكتب كريستين هيلبيرغ. يظهر في مقطع فيديو متداول على الإنترنت -ويبدو أنَّه مصوَّر في مركز اقتراع سوري- رجلٌ خلف صندوق الاقتراع وهو يضع علامة على المربع بجانب اسم الأسد على أوراق الاقتراع التي يضعها في مغلف ويسلمها "للناخبين" من فوق الطاولة أو يضعها هو بنفسه في صندوق الاقتراع البلاستيكي. بعد عقود من حكم آل الأسد اعتاد السوريون على إثبات ولائهم بطريقة شعائرية.

 

لقد أعادت دولة الإمارات العربية المتَّحدة فتح بعثتها الدبلوماسية في دمشق وأرسلت عُمان سفيرًا. وكذلك تتقدَّم عملية إعادة تأهيل الأسد المدفوعة من قِبَل روسيا في أوروبا أيضًا - انتقدت كلّ من المجر وجمهورية التشيك وبلغاريا ورومانيا بشكل متزايد سياسة العزلة التي يفرضها الاتِّحاد الأوروبي على سوريا، وكذلك صنَّفت الدنماركُ دمشقَ على أنَّها آمنة وباتت تريد إعادة السوريين إليها.

الأسد مستمر في توسيع سلطته

وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّ إعادة انتخاب الأسد تقوِّض عمل اللجنة الدستورية السورية في جنيف. وبعد سنوات من المفاوضات غير المجدية، كانت هذه اللجنة آخر ما تبقى من العملية السياسية التي تقودها الأمم المتَّحدة. وبحسب قرار الأمم المتَّحدة رقم 2254 كان يجب أولًا إصدار دستور جديد ومن ثم إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتَّحدة. لقد شلّ الأسدُ هذه اللجنةَ من أجل كسب الوقت - واستطاع خلال سبع سنين توطيد سلطته ولم يضطر إلى تقديم أية تنازلات.

من المنتظر أن يفوز الأسد في المرحلة التالية يوم العاشر من تموز/يوليو 2021، حيث سيقرر مجلس الأمن الدولي في شأن تمديد المساعدة عبر الحدود عن طريق آخر معبر حدودي متبقٍ بين سوريا وتركيا. لقد استخدمت روسيا حق الفيتو لإغلاق ثلاثة معابر حدودية أخرى كانت تسمح بإيصال مساعدات الأمم المتَّحدة إلى المناطق غير الخاضعة لسيطرة النظام - وكانت نتيجة ذلك كارثية على المنطقة الشمال شرقية الخاضعة لإدارة الأكراد ومحافظة إدلب في الشمال الغربي، الخاضعة لسيطرة معارضي الأسد.

ومن أجل تحسين أوضاع الناس هناك، يريد الرئيس الأمريكي جو بايدن أن يعرض على نظيره الروسي فلاديمير بوتين صفقة - وفقًا لموقع المونيتور الإخباري: يبتعد الأمريكيون عن إنتاج النفط في المناطق الكردية، وهو ما ضمنته موسكو لنفسها في صفقة أبرمتها مع النظام. وفي المقابل توافق روسيا على إعادة فتح معبر اليعربية الحدودي، الذي كان يضمن حتى نهاية عام 2019 وصول الإمدادات الإنسانية عبر العراق. ومثلما ذكرت الإدارة الأمريكية الجديدة فإنَّ الولايات المتَّحدة الأمريكية غير معنية بالنفط بل بالناس - على العكس مما كان يدَّعيه الرئيس الأمريكي السابق ترامب.

من غير المؤكَّد إن كان فلاديمير بوتين سيقبل هذه الصفقة. لذلك هناك خوف من أن تتوقَّف جميع المساعدات عبر الحدود، وهذا يعني أنَّ جميع الإمدادات الإنسانية يجب عندئذ أن تمر عبر دمشق. وقد يمنح ذلك الأسد المزيد من التأثير لإخضاع بقية البلاد.

 

 

كريستين هيلبيرغ

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع ديرهاوبتشتاتبريف / موقع قنطرة 2021

‏‪ar.Qantara.de

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة