وبالاستناد إلى القرآن كانوا يعلمونهم أنَّ التمييز بين الأعراق لا يجوز، لأنَّ جميع الناس متساوون ولا يحقّ لأحد أن يقتل شخصًا آخر. وكان رجال الدين ينبِّهون أتباعهم في الخطب والمواعظ وكذلك في وسائل الإعلام والمنشورات إلى أنَّ من واجب كلِّ مسلم أن يساعد جميع الضحايا وألَّا يقع في الاستقطاب، وبالتالي ألَّا ينضم إلى الأحزاب السياسية.

وفي رسالة "دعوية" إسلامية تم نشرها في جميع مساجد رواندا، دعا الزعماء الدينيون أتباعهم إلى عدم تِّباع أية أيديولوجيا لا تتَّفق مع القرآن. وعلى الراديو كانوا يحذِّرون الشعب الرواندي كله من اقتراب الأوقات الصعبة، وكانوا يدعون الناس إلى احترام القيم السلمية.

واستند رفضهم دعاية الكراهية إلى قيم مستمدة مباشرة من القرآن. وكانت رسالتهم هي أنَّ هذه القيم تتناقض تمامًا مع أيديولوجيا ميليشيات الهوتو: فهم ينظرون إلى القتل على أنَّه معصية لله، وبدلًا من ذلك فقد دعوا إلى نبذ العنف وحماية الضعفاء ومساعدة المحتاجين، بصرف النظر عن انتمائهم العرقي أو الديني.

الرئيس الرواندي السابق، باستور بيزيمونغو. Foto: Reuters
كان الرئيس الرواندي السابق، باستور بيزيمونغو، يعارض دائمًا عنف الهوتو، الذين يشكِّلون الأغلبية في بلده، وكان يُعَدُّ لفترة طويلة رمزًا لعملية المصالحة في رواندا. وأثناء تنصيب أوَّل وزير مسلم في الحكومة الرواندية، توجَّه إلى المسلمين الروانديين بقوله: "عَلـِّموا الروانديين الآخرين كيفية التعايش!".

ضدَّ الكراهية والعنف

وبتشجع من الموقف الحازم لزعمائها الدينيين، عارضت الجماعات الإسلامية بحزم الكراهية والعنف. وبالإضافة إلى رفض الهوتو المسلمين المشاركة في أعمال القتل (أو حتى مواجهة العنف بعنف مضاد)، فقد أبدى الكثيرون أيضًا مقاومة نشطة جدًا، ولكنها كانت دائمًا سلمية: حيث كان يتم إيواء المضطهدين وحمايتهم في بيوت المسلمين وفي المساجد، من دون اضطرارهم إلى الخوف من الغدر والخيانة. وكذلك قام مسلمون بإخفاء أشخاص من شعب التوتسي في أحيائهم وكانوا يقدِّمون لهم الغذاء ويقفون بينهم وبين عصابات القاتل، وكثيرًا ما كان ذلك يكلفهم حياتهم.

وأقام بعضهم حواجز على الطرقات لإعاقة تقدُّم الميليشيات، أو كانوا كذلك يتسللون إلى فرق الموت من أجل اكتشاف خططهم والتمكُّن في الوقت المناسب من تحذير اللاجئين ونقلهم إلى مناطق آمنة. وقام مسلمون آخرون بإنقاذ أشخاص من شعب التوتسي من الغرق أو كانوا يقومون بتنظيم "مذابح وهمية" و"جنازات مزيَّفة" بهدف خداع ميليشيات الهوتو وحملهم على الانسحاب.

كلُّ هذا حدث من دون ريب في ظلِّ أقصى درجات الخطر على الحياة. إذ إنَّ عمل المقاومة العلنية من جانب الزعماء الدينيين وكذلك العمل المباشر من قِبَل الجماعات المسلمة ومن قِبَل كلِّ فرد بمفرده، كان ينطوي على مخاطر كبيرة ويتطلب شجاعة وتصميمًا كبيرين.

الجذور التاريخية للمقاومة السلمية

وهذا السلوك المثالي من جانب المسلمين الروانديين يمكن تفسيره جزئيًا بتاريخهم الخاص. المسلمون في رواندا مهمَّشون منذ وصول الإسلام إلى البلاد عن طريق التجَّار الهنود والعرب في القرن التاسع عشر. وخلال حكم الاستعمار الذي كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقا بالكنائس المسيحية، بات يُنظر إليهم على أنَّهم يشكِّلون تهديدًا وتم نفيهم إلى أحياء وتجمُّعات سكَّانية معزولة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.