مشجعو كرة القدم في تركيا ومصر

هل فشل إردوغان ونجح السيسي في ردع مشجعي كرة القدم؟

معارك السيطرة على الملاعب ومساحات عامة أخرى في تركيا ومصر شهدت مواجهات بين مشجعي كرة القدم ذوي الحماسة الزائدة وبين قادة الأنظمة السلطوية، ورغم الاختلافات الكبيرة بين المناخين السياسيين في مصر وتركيا، إلا أن المشجعين في كلا البلدين يرفضون تخويفهم ويستغلون كل فرصة لإسماع مطالبهم، خاصة تلك المتعلقة بالوصول إلى الملاعب والسيطرة عليها، بحسب ما يكتب جيمس دورسي.

 افتتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رسمياً استاد بشيكطاش الجديد في أبريل/ نيسان عام 2016.  Foto: Reuters
افتتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رسمياً استاد بشيكطاش الجديد في أبريل/ نيسان عام 2016. مشجعو النادي قاطعوا حفل الافتتاح. لعب أعضاء مجموعة بشيكطاش تشارشي دوراً رئيسياً في موجة الاحتجاجات التي وقعت عام 2013، والتي اجتاحت اسطنبول وانتشرت إلى مناطق متفرقة من البلاد. كما تم تقديم 35 من أعضاء تشارشي إلى المحاكمة بتهمة محاولة قلب نظام الحكم. لكن التهم أسقطت عنهم في ديسمبر/ كانون الأول عام 2015.
مشجعو بشيكطاش يتظاهرون أمام محكمة اسطنبول ضد قضية ذات دوافع سياسية بحق 35 من مشجعي بشيكطاش. 16 / 12 / 2014. Foto: Reuters
مشجعو بشيكطاش يتظاهرون أمام محكمة اسطنبول ضد قضية ذات دوافع سياسية بحق 35 من مشجعي بشيكطاش المنتمين إلى مجموعة "تشارشي"، وهي أكبر مجموعة من مشجعي بشيكطاش ذوي الحماسة المُفْرِطَة. لعب هؤلاء المشجعون دوراً محورياً في المظاهرات المناوئة للحكومة في متنزه غيزي.

سنوات من المواجهة في ملاعب كرة القدم انتقلت إلى الشوارع عام 2011، عندما أطاحت مسيرات شعبية مصيرية مناوئة للحكومة بالرئيس المصري آنذاك حسني مبارك. وفي عام 2013 هزت تركيا أيضاً مظاهرات، ولكنها هذه المرة لم تقم سوى بتعزيز الغريزة السلطوية للرئيس التركي الحالي رجب طيب إردوغان.

في مصر، قام الجنرال – الذي أصبح رئيساً – عبد الفتاح السيسي بتدشين مكتب جديد لوزارة الداخلية في مقر أكاديمية الشرطة بالقاهرة الجديدة، شرق العاصمة المصرية، كجزء من جهود نقل الوزارة بعيداً عن وسط القاهرة، حيث كان المبنى لفترة طويلة هدفاً للاحتجاجات. وكانت أكاديمية الشرطة قد انضمت إلى مكتب المدعي العام وأمن الدولة وعدة مؤسسات عدلية في جهد يهدف إلى حرمان المحتجين من رموز للتظاهر أمامها إذا ما تصاعدت حدة الاحتجاجات.

ويقول اللواء أحمد البدري، الرئيس السابق لأكاديمية الشرطة، لموقع المونيتور الإلكتروني: "الوضع الأمني مرتبط باستهداف هذه المؤسسات من قبل عدد من المحتجين المتمركزين في وسط القاهرة. إنهم يسعون لنشر الفوضى في أرجاء البلاد".

وتابع البدري بالقول: "خاصة بعد أن أصبحت المظاهرات للأسف فوضوية للغاية. كما أنهم يحاولون كسر هالة السلطة المحيطة بمؤسسات الدولة عن طريق فرض حصار عليها وتغطية جدرانها بالرسومات (الغرافيتي) المحتوية على صور مسيئة ولغة مهينة للعاملين في تلك المؤسسات. التحديات الأمنية التي تواجهها البلاد دفعت الوزارة إلى تسريع خطط البناء".

قوة يعتدّ بها

اعتراف اللواء البدري بقوة مشجعي الكرة في الشارع تبعت مسعى غير مسبوق في فبراير/ شباط 2016 من قبل السيسي، الذي يترأس أكثر الحكومات قمعية في تاريخ مصر المعاصر، لمد يده إلى خصومه.

Al-Ahly-Ultras gedenken am 26. Januar  2013 in Kairo an das Massaker von Port Said; Foto: Reuters
على المتاريس: مشجعو الألتراس لنادي الأهلي المصري، الذين كانوا أغلب ضحايا أحداث بورسعيد عام 2012، يرون أنفسهم كضحايا لحملة تنظمها الدولة ضدهم. لكن الكثير من المصريين ما زال ينظر إليهم كـ"أبطال الثورة" في عام 2011. لقد كان هؤلاء المشجعون دوماً في الصفوف الأولى خلال الثمانية عشر يوماً من المظاهرات ضد نظام مبارك.

فقد اتصل الرئيس هاتفياً بأحد البرامج التلفزيونية في الذكرى الرابعة لأحداث استاد بورسعيد، التي راح ضحيتها 72 شخصاً ينتمون إلى ما يسمى بـ"ألتراس" نادي الأهلي، وذلك كي يدعو هؤلاء المشجعين إلى تشكيل لجنة من عشرة أفراد يختارونهم من بينهم للتحقيق في تلك الأحداث.

لقد كانت هذه المرة الأولى التي يمد فيها السيسي يده إلى خصومه، الذي إما قُتل منهم كثيرون على يد قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية أو اضطروا إلى الاختباء أو مغادرة البلاد أو ما يزالون في السجون والمعتقلات، حيث يواجهون خطر التعذيب والإساءة.

"ألتراس أهلاوي" -وهي مجموعة من المشجعين  ذوي الحماسة الزائدة لعبت دوراً محورياً في الإطاحة بمبارك عام 2011 والكثير من الاحتجاجات المناوئة للحكومة منذ ذلك الوقت- رفضت دعوة السيسي وعللت ذلك بأنها لا يمكن أن تكون المدعي والقاضي في نفس الوقت، إلا أنها أبقت على خيار الحوار مفتوحاً.

الساسة يستخدمون الأبواب الجانبية

رغم أن ملاعب كرة القدم كانت مغلقة أمام الجمهور في معظم الوقت خلال السنوات الخمس الماضية، وأن لفتة السيسي المبدئية فشلت في استمالة المشجعين، إلا أن جهوده ناقضت تماماً رفض أردوغان المتكبر للقيام حتى بأبسط لفتات التواصل الاجتماعي مع حركة مجتمعية ذات تأثير كبير في الشارع وقد أظهرت قدرتها على استغلال هذا التأثير.

الطرق المتناقضة لكل من السيدين السيسي وإردوغان، واللذين على نزاع بسبب الانقلاب الذي نفذه الجيش في مصر عام 2013 وأطاح بمحمد مرسي، الرئيس الأول والوحيد للبلاد المنتخب بشكل ديمقراطي، والقمع الوحشي ضد جماعة الإخوان المسلمين، تبعت محاولات فاشلة في كلا البلدين للجوء إلى المحاكم من أجل منع مجموعات مشجعي الكرة  ذوي الحماسة الزائدة وتصنيفها كتنظيمات إرهابية.

ففيما حاول السيسي إبقاء ملاعب الكرة مغلقة أمام الجمهور، في مسعى منه للسيطرة على المساحة العامة ومنع الملاعب الرياضية من التحول إلى أحد أهم أماكن التظاهر، فقد سعى إردوغان، الذي كان في السابق لاعب كرة قدم شبه محترف، إلى السيطرة الكاملة عن طريق منع رفع الشعارات والهتافات السياسية خلال المباريات، وهو ما كان ناجحاً بشكل محدود، بالإضافة إلى إطلاق نظام إلكتروني يُنظر إليه على أنه يهدف إلى التعرف على المشجعين ذوي الآراء السياسية المعارضة. هذا النظام أدى إلى مقاطعة واسعة النطاق وتراجعاً كبيراً في أعداد رواد الملاعب. كما حاول إردوغان أيضاً مواجهة المشجعين عن طريق إنشاء أندية مشجعين مؤيدة للحكومة.

فشل إردوغان في ردع المشجعين يتناقض مع نجاحه في تكميم أفواه الصحافة في تركيا وتقييد حرية الأكاديميين وحرية التعبير.

"Wir werden Euch nicht vergessen!" - Gedenktafel in Kairo zu Ehren der 72 getöteten Ahly-Fans bei den Stadion-Ausschreitungen im Jahr 2012; Foto: Arian Fariborz
"لن ننساكم". جدارية في القاهرة للتذكير بـ72 مشجعاً لنادي الأهلي قتلوا خلال المصادمات التي وقعت عام 2012.

"رشونا بالغاز المسيل للدموع"

محاولة إردوغان الشهر تعبئة حفل افتتاح استاد "فودافون أرينا" لنادي بشيكطاش العريق -والذي تم ترميمه- برموز سياسية مؤيدة للحكومة كان يهدف إلى مداعبة أحاسيس الكبرياء لدى الرئيس المصاب بجنون العظمة. لكن المشجعين قاطعوا هذا الحفل واشتبكوا مع الشرطة بعد أن مُنعوا من حضور مراسم الافتتاح.

افتتاح استاد بشيكطاش يشبه إغلاق الاستاد عام 2013، عندما كان يطلق عليه استاد إينونو. ورغم أن سبب إغلاقه الرسمي هو أعمال الترميم، إلا أن الحدث كان سياسياً بالدرجة الأولى، ذلك أن تشارشي –وهو اسم شبكة مشجعي نادي بشيكطاش المعارضة للحكم السلطوي– لعبت دوراً محورياً في المظاهرات المناوئة للحكومة في متنزه غيزي في نفس العام.

لكن خلال العام الحالي، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع ومَدافع المياه لتفريق آلاف المشجعين لنادي بشيكطاش، الذين تجمعوا لمشاهدة أول مباراة لفريقهم في الاستاد الجديد. المشجعون الذين نجحوا في الوصول إلى الاستاد تحدوا المنع المفروض على ترديد الهتافات السياسية من خلال إعادة إحياء الهتافات التي كانت تطلق في متنزه غيزي، مثل "هيا، رشونا بالغاز المسيل للدموع" و"نحن جنود مصطفى كمال"، في إشارة إلى مصطفى كمال أتاتورك، الذي أقام تركيا المعاصرة من على أنقاض الإمبراطورية العثمانية ويعتبر مؤسس العلمانية التركية المتطرفة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.