معارك في الملاعب وخارجها

جهود أردوغان للتلاعب بكرة القدم من أجل خدمة مصالحه ساعدتها المشاعر القومية التي ألهبها إلغاء سلسلة من الأحداث الرياضية الدولية والمحلية في أعقاب موجة من الهجمات لانفصاليين أكراد وجهاديين على مدن تركية كبرى.

هذه الهجمات أقنعت الاتحاد الأوروبي لتنس الطاولة بنقل مباريات التأهل الأوروبية للألعاب الأولمبية للأفراد خارج تركيا، إضافة إلى تأجيل عدد من المباريات والبطولات التركية الهامة لكرة القدم. كما دفعت هذه الهجمات الألماني لوكاس بودولسكي، نجم نادي غلطة سراي التركي ومهاجمه، للإعلان عن مغادرته تركيا.

إردوغان، الذي يؤمن بنظريات المؤامرة التي تحيك فيها قوى الظلام، بما فيها الصهاينة وألمانيا وبريطانيا، وبإشراف الولايات المتحدة، مؤامرات باستمرار ضد تركيا، أوحى نتيجة لذلك إلى وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة بتوسيع هذه النظرية لتشمل كرة القدم أيضاً.

مشجعو بشيكطاش يتظاهرون أمام محكمة اسطنبول ضد قضية ذات دوافع سياسية بحق 35 من مشجعي بشيكطاش. 16 / 12 / 2014. Foto: Reuters
مشجعو بشيكطاش يتظاهرون أمام محكمة اسطنبول ضد قضية ذات دوافع سياسية بحق 35 من مشجعي بشيكطاش المنتمين إلى مجموعة "تشارشي"، وهي أكبر مجموعة من مشجعي بشيكطاش ذوي الحماسة الزائدة. لعب هؤلاء المشجعون دوراً محورياً في المظاهرات المناوئة للحكومة في متنزه غيزي.

لذلك، كان العنوان الرئيسي لصحيفة "فوتوماك" في فبراير/ شباط "فوضى على كرة القدم: عصابة الخيانة تريد زعزعة استقرار تركيا"، بعد يوم من سرقة أحد المتظاهرين بطاقة حمراء من حكم في مدينة طرابزون الواقعة على البحر الأسود، وذلك للاحتجاج على ما اعتبره قرارات متحيزة للحكم.

وكتبت الصحيفة، في إشارة إلى نادي طرابزونسبور، أكبر أندية المدينة: "بحسب أحد الاتهامات، فإن هناك عصابة سرية تعمل وراء كواليس الكرة التركية. وقيل إن هذه العصابة ضغطت زر نشر الفوضى في البلاد من خلال سحب الجماهير إلى الشارع باستخدام كرة القدم. كما عُلم أن هذه العصابة السرية، التي فشلت في جرّ تركيا إلى الفوضى أثناء احتجاجات متنزه غيزي، اختارت نادي طرابزونسبور كهدف وهي تعمل على استفزاز جماهير الفريق عن طريق استغلال أخطاء الحكم".

وبالرغم من الاختلافات الكبيرة بين المناخين السياسيين في مصر وتركيا، إلا أن المشجعين في كلا البلدين يرفضون تخويفهم ويستغلون كل فرصة لإسماع مطالبهم، خاصة تلك المتعلقة بالوصول إلى الملاعب والسيطرة عليها.

لقد مهّد المشجعون في مصر الطريق أمام احتجاجات متقطعة ولكنها متنامية ضد الحكومة، عندما شقوا طريقهم بالقوة إلى الاستاد من أجل الاحتجاج على منعهم من حضور مباريات كرة القدم.

"عيش، حرية، الجزر مصرية"

على أرض استاد برج العرب في مدينة الإسكندرية الساحلية، اقتحم مشجعو "ألتراس أهلاوي" أرض الملعب خلال مباراة لبطولة كأس الأمم الأفريقية، وهي أول حادثة هامة مرتبطة بكرة القدم منذ مقتل 20 شخصاً في القاهرة العام الماضي أثناء مواجهات مع قوات الأمن. الشرطة أطلقت الغاز المسيل للدموع خلال حادثة الإسكندرية، ما أدى إلى إصابة 29 شخصاً.

هذه الحادثة أتت في خضم انتقادات متزايدة للسيسي واحتجاجات على تنازله عن جزيرتين في البحر الأحمر للسعودية، وذلك أثناء زيارة للعاهل السعودي الملك سلمان إلى القاهرة. ورغم أن المحتجين كانوا أقل بكثير من أولئك الذين أطاحوا بمبارك، إلا أنهم غيروا شعارات ثورة 2011 "عيش حرية عدالة اجتماعية" إلى "عيش حرية الجزر مصرية".

Staatspräsident Recep Tayyip Erdoğan bei der Beşiktaş-Stadioneröffnung im April 2016; Foto: Reuters
افتتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رسمياً استاد بشيكطاش الجديد في أبريل/ نيسان عام 2016. مشجعو النادي قاطعوا حفل الافتتاح. لعب أعضاء مجموعة بشيكطاش تشارشي دوراً رئيسياً في موجة الاحتجاجات التي وقعت عام 2013، والتي اجتاحت اسطنبول وانتشرت إلى مناطق متفرقة من البلاد. كما تم تقديم 35 من أعضاء تشارشي إلى المحاكمة بتهمة محاولة قلب نظام الحكم. لكن التهم أسقطت عنهم في ديسمبر/ كانون الأول عام 2015.

هذه الحادثة والاحتجاجات المتزايدة في الأحياء على قمع أجهزة الأمن أقنعت السيسي بالإبقاء على ملاعب الكرة في البلاد مغلقة أمام الجمهور، بسبب الخوف من أنها قد تصبح نقاط تجمع للمعارضين.

الإغلاق المستمر للملاعب، مثل محاولات إردوغان الفاشلة في ممارسة سيطرة سياسية على كرة القدم ومساحاتها العامة، قد يفضي إلى المزيد من المواجهات، ذلك أنه يحفز المشجعين على لعب دورهم في الاحتجاجات الأوسع ضد الحكومة ولصالح قضايا يتعاطفون معها.

أحد أعضاء مجموعة بشيكطاش تشارشي كتب على موقع "تويتر" تغريدة قال فيها: "بعدما بدأت رائحة الغاز المسيل للدموع بالوصول إلى داخل الاستاد هتف المشجعون الشعار الأسطوري: انزعوا خوذكم وألقوا عصيكم"، وذلك بعد مواجهات مع الشرطة على هامش حفل افتتاح الاستاد الجديد. هذا الشعار كان دعوة ساخرة من المشجعين للشرطة كي تواجهها بشكل متكافئ.

هذا تحدٍّ لن تواجهه قوات الأمن في تركيا ومصر. لكن القوة المفرطة والوحشية أثبتت عدم فعاليتها في خدمة جهود الحكومة لقمع المشجعين ورفضهم لتسليم السيطرة على هذه المساحة العامة.

 

جيمس دورسي

ترجمة: ياسر أبو معيلق

حقوق النشر: إم بي سي جورنال / موقع قنطرة

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.