مشروع تنموي بين ثقافتين مغربيتين - مشاتل فاكهة مؤسسة الأطلس الكبير

اليهود والمسلمون في المغرب...تعاون مثمر يتجاوز حدود الأديان

تساعد الطائفة اليهودية المغربية مزارعين محليين عبر التبرع بأراضٍ حول أضرحة تاريخية يهودية لزراعة مشاتل أشجار الفاكهة. والهدف إنهاء الفقر الريفي عبر التحول من الحبوب إلى محاصيل تناسب ظروف النمو المحلية. فنمو البذور إلى شتلات يستغرق عامين وليس للمزارعين إيقاف الزراعة لسنتين من أجل التحول لزراعة الفاكهة. يوسف بن مئير يعرفنا بمبادرة تلبي أولوية تنموية وتنشط العلاقة بين مسلمين ويهود في أراضٍ مغربية.

في عام 2010 أطلق المغرب مشروعاً وطنياً لإعادة تأهيل المقابر اليهودية في البلاد. إذ يوجد نحو ستمائة من "القديسين" اليهود مدفونين في أرجاء مختلفة من المملكة. وقد دُفِن العديد منهم منذ ألف عام أو أكثر، وشهد 167 من المواقع مباشرة العمل على حفظ القبور ومحيطها المباشر. كما بدأت الطائفة اليهودية، ابتداءً من مراكش، بإعارة أراض إلى مؤسسة الأطلس الكبير بالقرب من سبع من هذه المقابر، من أجل زراعة مشاتل لأشجار فاكهة بيولوجية لصالح الأسر الزراعية والمدارس.

ومن بين المتبرعين الآخرين من مؤسسات القطاع العام والخاص لمبادرة مشاتل الأشجار المجتمعية التابعة لمؤسسة الأطلس الكبير: المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر، والمندوبيات الإقليمية لوزارة التربية، إضافة إلى الجامعات والتعاونيات. فالتبرعات بالأراضي لا غنى عنها من أجل نجاح تنمية زراعية مستدامة وعضوية ومتكاملة باستخدام مشاتل الأشجار المجتمعية.

يتحول المزارعون المغاربة حالياً من زراعة الشعير والذرة التقليدية إلى زراعة أشجار الفاكهة الأكثر ربحاً، مما يعني ارتفاع الطلب بشكل كبير على الشتلات. ووفقاً لوكالة التنمية الفلاحية في المغرب، تُزرع الحبوب الأساسية على ما يقرب من 70% من الأراضي الزراعية في المغرب، ومع ذلك فهي لا تشكّل أكثر من 10-15% من العائدات الزراعية.

والأسر الزراعية -التي تمتلك عادة مساحات صغيرة من الأرض غير ملائمة لزراعة الشعير والذرة- محرومة من التعليم (ولا سيما التعليم الثانوي) والبنية التحتية الصحية، كما تفتقر مجتمعاتها إلى سبل العيش المتنوعة. وفي العديد من المناطق القروية، على سبيل المثال، تواصل أقل من نصف البنات تعليمهن الرسمي بعد المدرسة الابتدائية. بينما تحتاج المهاجع والمياه النظيفة والحمامات في المدارس القروية إلى قطع شوط طويل من أجل أن تتحسن. 

يتم الحفاظ -مِنْ قِبَل عاملين محليين- على حضانة شجرة الفاكهة العضوية التي أنتجت 150 ألف شجرة من التين والرمان واللوز والليمون والعنب منذ عام 2012.  (photo: High Atlas Foundation)
المقابر اليهودية توفر فرصة جديدة للحياة: في عام 2014، أُنشِئ مشتل تجريبي على أراضي الطائفة اليهودية بالقرب من قرية آكريش، التي تقع في إقليم الحوز جنوب مراكش، بالقرب من ضريح الحاخام رافائيل هاكوهين الذي يعود تاريخه إلى 700 عاماً مضت. وخلال سنوات ثلاث سابقة، زُرِع 150 ألف (33 ألف في عام 2018) من بذور اللوز، والتين، والرمان، والأركان والخروب والليمون في المشاتل وما أن نضجت إلى شتلات حتى نُقِلت إلى أراض زراعية خاصة.

وفي كل أنحاء المغرب، لا تزال مياه الشرب على رأس أولويات المناطق القروية، رغم أن ذلك ينطبق أيضاً على بعض أحياء المدن، بما في ذلك حي الملاح في مراكش، وهو الاسم الذي يُطلق على الأحياء اليهودية في المدن. وبالنسبة للقرى في منطقة الأطلس الكبير، على سبيل المثال، قد يكون للبنية التحتية للري تأثيراً يقلب الأوضاع، سواء على الصعيد الاقتصادي أو البيئي. بيد أنها، في غالبية المجتمعات القروية، لم تُنفّذ بعد.

كما أن فرص العمل لغالبية الشباب في المناطق القروية والحضرية نادرة بشكل كبير. وزراعة أشجار الفاكهة هي إحدى الوسائل التي تأمل الأسر الزراعية بالقضاء من خلالها على الفقر القروي المتفشي. أما التدابيرُ الحيوية الأخرى فتتضمن تجهيز المنتجات، وإنشاء التعاونيات، وتأمين وصول أكبر إلى الأسواق وتوفير شهادات مكافئة الكربون وشهادات عضوية.

مبادرة متعددة الثقافات والأديان

إن زراعة أشجار الفاكهة من الشتلات على أراض يقدمها اليهود المغاربة وتوزيعها على المجتمعات القروية المهمّشة، لا يساعد فقط في تلبية أولوية تنموية رئيسيةـ بل يشكّل أيضاً مبادرة متعددة الثقافات والأديان.

وبالنسبة لأولئك الذين يستفيدون من مواقع المدافن التاريخية هذه، فقد عمّق المشروع تقديرهم وأعاد تنشيط العلاقات بين الأسر الزراعية المسلمة وأعضاء الطائفة اليهودية. على أية حال، يستغرق الأمر عامين لتنمو البذور إلى شتلات أشجار ولا يمكن للأسر الزراعية ببساطة تحمّل إيقاف زراعة أراضيها لمدة عامين، فقط للتحوّل إلى زراعة الفاكهة. فالتبرع بالأراضي الجديدة لمشاتل الأشجار المجتمعية، والتي منها ستُعاد زراعة الشتلات التي عمرها عامين في المساحات الزراعية للأسر، يتغلب على حجة أنه ليس هناك أرضٍ كافية لإنتاج أشجار فاكهة.

وبفضل تعزيز الأمن الغذائي والتنمية المستدامة للأسر الزراعية، تولّد المبادرة المغربية المسلمة-اليهودية حسن نية، فترعى الوحدة الاجتماعية وتشجع على المزيد من مبادرات حفظ التراث الثقافي. ومما زاد من حس التضامن ومقدار الاستدامة، تحديد المجتمعات الزراعية نفسها لأشجار الفاكهة بوصفها أولوية في المشروع، بينما حددت أيضاً الأصناف التي تفضّل زراعتها. وبذلك، فإن المشروع يستجيب للاحتياجات التي عبّر عنها الناس ويساعد على الوصول إلى النتائج التي يسعون إليها. وهذا يوضّح كيف أن الفوائد الاجتماعية تزداد حين تُدمج مشاركة الناس في العملية الثقافية-التنموية.

"بيت الحياة" مشتل تجريبي بالقرب من مراكش

يجتمع مسلمون ويهود مغاربة معاً في أيام توزيع الأشجار، للحديث عن مبادرة مشاتل الفاكهة  برعاية مؤسسة الأطلس الكبير، ولشكر جميع الشركاء ، والتخطيط للمستقبل. (photo: High Atlas Foundation)
إعادة إحياء العلاقات بين الأديان: يكتب يوسف بن مئير: "تولِّد المبادرة المغربية المسلمة-اليهودية حسن نية، فترعى الوحدة الاجتماعية وتشجع المزيد من مبادرات حفظ التراث الثقافي. ومما زاد من حس التضامن ومقدار الاستدامة، تحديد المجتمعات الزراعية نفسها لأشجار الفاكهة بوصفها أولوية في المشروع، بينما حددت أيضاً الأصناف التي يفضّلون زراعتها.

في عام 2014، أُنشِئ مشتل تجريبي على أراضي الطائفة اليهودية بالقرب من قرية آكريش، التي تقع في إقليم الحوز جنوب مراكش، بالقرب من ضريح الحاخام رافائيل هاكوهين الذي يعود تاريخه إلى 700 عاماً مضت. وخلال سنوات ثلاث سابقة، زُرِع 150 ألف (33 ألف في عام 2018) من بذور اللوز، والتين، والرمان، والأركان والخروب والليمون في المشاتل وما أن نضجت إلى شتلات حتى نُقِلت إلى أراض زراعية خاصة. ويشرف على نموها الآن حوالي 1000 مزارع و130 مدرسة في المغرب، وكله لصالح المزارعين.

وقد قُدِّمت تكلفة المشروع التجريبي المقدرة بـ 60 ألف دولار تقريباً من قبل وهيبة إيسترغارد ومايك غيليلاند من لاكي ماركت Lucky market [سلسلة محلات أمريكية] وجيري هيرتش مع مؤسسة لودستارLodestar Foundatıon [مؤسسة أمريكية تُعنى بجمع وتوزيع تبرعات]. كما منح عامل إقليم الحوز في ذاك الوقت، يونس البطحاوي، مشتل آكريش اسم "بيت الحياة" وهو اسم مدافن بالعبرية. 

وكان لرئيس الطائفة اليهودية جاكي كادوش -في جهة مراكش آسفي- دورٌ أساسيٌ في منح هذه الأرض وغيرها من قطع الأرض لمدة عشر سنوات، بينما مكّن الأمين العام لمجلس الطائفة اليهودية في المغرب، سيرغ بيرديغو، التوسعَ الحيوي لمشروع أراضي مشاتل الأشجار هذا.

وُزِّعت الأشجار الأولى من موقع قطعة أرض آكريتش للمزارعين والأطفال المحليين من قبل عامل الإقليم في عام 2016، بمشاركة سفير الولايات المتحدة في مملكة المغرب، دوايت ل. بوش.

مشتل ثانٍ في ورزازات

يقع المشتل الثاني المقترح بجانب ضريح الحاخام "ديفيد أُو موش" الذي يعود تاريخه إلى ألف عام، وذلك في إقليم ورزازات في كانون الثاني/يناير من عام 2018. وتشهد السنة الأولى لهذا المشروع تشييد مدرجات زراعية. وتشتمل المساحة الجديدة الصالحة للزراعة على هيكتار واحد، سينمو عليها -من 500 ألف بذرة- شتلات بطول متر واحد من الجوز والخروب والتين والرمان والكرز واللوز.

وتُقدّم عند النضج للجمعيات المحلية، ولخمسة آلاف أسرة زراعية وألفي مدرسة. وتُخصص بعض الأشجار لمعالجة التآكل المدمر الذي يصيب المنطقة المجاورة.

كما تُراقِب مؤسسة الأطلس الكبير، مع شركاء محليين، نمو الأشجار كجزء من تأمين شهادات مكافئة الكربون، التي تُستثمر عائداتها في زراعة المزيد من الأشجار. ومن شأن تكرار المشاتل على مئات قطع الأراضي المتاخمة لمواقع المدافن في أنحاء البلد، أن يولّد عشرات ملايين من الشتلات والنبتات كل عام ويؤمن حياتاً أفضل لملايين الناس.

مبادرة بإمكانات دولية

تُلهِم المبادرة مشاريعَ مماثلة في كل أنحاء الشرق الأوسط، عبر مزيجها من التعاون اليهودي-المسلم والشراكات العامة-الخاصة والمحلية-الدولية. ورغم أن الطائفة اليهودية في القاهرة اليوم يبلغ تعداد أعضائها ستة أشخاص فقط، إلا أن نهجهم الاستراتيجي في الحفاظ على مدافنهم التاريخية هو تعزيز التنمية داخل المجتمع المحلي.

كما زارت مجموعات فلسطينية وإسرائيلية مشروع المشاتل متعدد الثقافات في المغرب وظهر في وسائل الإعلام، فلنأمل أنه يوفّر سبيلاً باتجاه تعاون عميق ومثمر ومتعدد الثقافات.

 

 

 

يوسف بن مئير
ترجمة: يسرى مرعي
حقوق النشر: مؤسسة الأطلس الكبير / موقع قنطرة 2018

 

 
يوسف بن مئير مدير مؤسسة الأطلس الكبير  في المغرب. هذا المقال مأخوذ من نص أطول بعنوان "النهج المغربي: دمج حفظ التراث الثقافي مع التنمية المستدامة".
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة