بعد ثلاثة عقود ومع قدوم تنظيم الإسلام القتالي العابر للحدود، مقابل تراجع في دور الإسلامية الموجهة إلى الدولة، نعثر على أنوثة متخيلة جديدة وعلى يد فتيات أوروبيات. فهؤلاء النسوة، وفقا لخسرو وبن سلامة، لم يهاجرن بحثا عن المتعة وعن عوالم التشويق، بل لأنهن لم يعدن على إيمان بالرؤية النسوية الغربية وحراكهن الاجتماعي، فهن يعتقدن أن الأمومة وتربية الاطفال تبقى أجندات مهملة لدى هذه الحركات بخلافهن.

ورغم وجاهة هذا النقد الذي وجهه البعض لموضوع تأخير سن الإنجاب، مع ذلك فإن هؤلاء الجهاديات أخذن يختزلن دورهن في الإنجاب، هنا نشهد حالة انتكاسة أو «انحدار أنثروبولوجي»، على حد تعبير خسرو لصورة المرأة ودورها في الحياة اليومية. كما نشهد حالة من الانحدار في دور المرأة داخل عالم التيارات الإسلامية، إذا ما قورن بموقف زينب الغزالي ورؤيتها لدور الجهاد في تعديل القواعد التقليدية.

 

"الحزب الكردي المقاتل، الذي طالما تغنى بصورة نسائه المقاتلات، نجده قبل أيام من الآن يشن معركة ضد الأنوثة المحلية الكردية في بقعة أخرى من دويلته المتخيلة"

 

"تغيب صورة المرأة لصالح مخيال أوروبي قاصر لا ينظر لحقوق النساء أو وضعهن في الحروب، وتراجع عن قيم الأمة والمساواة لصالح رؤية تتجاهل أو تهمش أي رؤية أنثوية لا تتوافق مع قيم الأنوثة التي صنعتها الأمة الفرنسية".
"تغيب صورة المرأة لصالح مخيال أوروبي قاصر لا ينظر لحقوق النساء أو وضعهن في الحروب، وتراجع عن قيم الأمة والمساواة لصالح رؤية تتجاهل أو تهمش أي رؤية أنثوية لا تتوافق مع قيم الأنوثة التي صنعتها الأمة الفرنسية".

باربي الكردية: مقاتلة أم ملكة جمال؟

الانحدار الأنثروبولوجي في دور المرأة يبدو أنه لم يتعلق فحسب في صورة السجينات الداعشيات، بل عاشه أيضا سجّانو مخيم الاعتقال، وأعني هنا قوات سوريا الديمقراطية. فالحزب الكردي المقاتل، الذي طالما تغنى بصورة نسائه المقاتلات، نجده قبل أيام من الآن يشن معركة ضد الأنوثة المحلية الكردية في بقعة أخرى من دويلته المتخيلة.

بداية هذه المعركة كانت مع حفل أعدته فعالية نسوية في مدينة القامشلي السورية لانتخاب ملكة جمال المدينة. لكن يبدو أن هذا الحفل لم يرق لقيادات الحزب، وسرعان ما تطور هذا الموقف الغاضب من الحفل إلى نقد لاذع للفتيات المشاركات وللجهة المنظمة للحفل، لكونها لا تتوافق مع قيم وأخلاق "الأمة الديمقراطية".

فالمرأة الكردية وفقا لهذا الرأي لا مكان في حياتها للهو والمرح أو للتعبير عن جوانب من أنوثتها، مكانها هو في ساحات المعركة إلى جانب الرجال لبناء الأمة.

قد لا يعد هذا الموقف جديدا على أيديولوجية الآباء المؤسسين للحزب (حزب العمال الكردستاني) حيال مشاركة المرأة الكردية ودورها في معاركهم مع الجيش التركي، كما أنه المقاربة الذكية التي قدمتها الأنثروبولوجية التركية أيما سنكلير حول "الخدمة العسكرية والرجولة في تركيا".

تبين للباحثة من خلال دراستها لتاريخ المؤسسة العسكرية التركية، أن المؤسسات العسكرية (وهي في سياقنا الكردي السوري تتمثل في قوات سوريا الديمقراطية المعترضة على حفلة ملكة الجمال) غالبا ما تنزع إلى صنع مواطن من طراز آخر، محارب، منضبط النزاهة، ووفق تعبير قائد عسكري "نصنع زهرية فاخرة مستمدة من الطيب نفسه في المدارس العسكرية، أما المدارس المدنية فتنتج أباريق ذات نوعية رديئة".

 محمد تركي الربيعو كاتب وباحث سوري، يركز في مقالاته على المقاربات الانتربولوجية والسوسيولوجية...
محمد تركي الربيعو كاتب وباحث سوري، يركز في مقالاته على المقاربات الانتربولوجية والسوسيولوجية.

هذه الرؤية العسكرية لدور المواطن وشكله غالبا ما تولد وفقا للباحثة رؤية جديدة للجندر، ففي الوقت الذي يغدو فيه المقاتل هو صانع وفخر الأمة، تغيب في هذه المعادلة ثنائية الذكر والأنثى، أو المساواة بين الرجل والمرأة لصالح ثناية عسكري/ مدني رديء، كما تختفي صورة المرأة لصالح صورة الكائن المقاتل.

وبالمقارنة بين مقاربة أيما سنكلير لدور المؤسسة العسكرية مع تصريحات القيادي الكردي الدار خليل حول حفل ملكة الجمال، نجد أن الأخير يقترب كثيرا من صورة الرؤية العسكرية التركية وربما من مواقف شمولية عديدة.

فالدار خليل يشير في أحد تعليقاته إلى أن ما حدث يتنافى مع أخلاق الأمة الديمقراطية الكردية، ومع تضحيات صانعات الأمة الكردية، إذ لا دور للفتاة الكردية اليوم وغدا ربما، إلا دور واحد يتمثل في الوجود في صحراء الرقة ودير الزور، وهي ترتدي لباساً عسكريا في سبيل صناعة الأمة الجديدة (للسوسيولوجي الإيراني آصف بيات قراءة مشابهة حول مواقف الخميني من حفلات الغناء، ويصفها بأيديولوجية « الأحزان»).

أما أولئك النسوة اللواتي يرتدين ألبسة جميلة وأنيقة فهن لا ينتمين لهذه الأمة وأخلاقها، فهذه السلوكيات ليس سوى امتداد لقيم الاستهلاك الغربي (إحدى مفارقات الحزب) في حين المطلوب منهن رمي هذه الثياب والالتزام بعالم الأحزان والرجولة (أجبرت بعض الفتيات المتسابقات لاحقا على الاعتذار لمشاركاتهن في هذه المسابقة).

في هذه المعادلة لا مكان لقيم الأنثى أو مساواة لها مع الرجال، وإنما تصبح جديرة بالاعتراف في حال دخلت عالم الذكورة وتشبهت بهم في شكلها وكلامها.

"تغيب صورة المرأة لصالح مخيال أوروبي قاصر لا ينظر لحقوق النساء أو وضعهن في الحروب، وتراجع عن قيم الأمة والمساواة لصالح رؤية تتجاهل أو تهمش أي رؤية أنثوية لا تتوافق مع قيم الأنوثة التي صنعتها الأمة الفرنسية".

ذكورة أوروبية

وبالانتقال إلى الصورة الثالثة، وعودة بعض التقارير، تشير بعض الأخبار إلى أن فرنسا اشترطت لإخراج مواطناتها من هذا المعتقل تخلي الأمهات في المقابل عن أولادهن، وإلا فهي غير مسؤولة عن إعادتهن أو حتى التفكير بوضعهن في المعتقلات الجماعية التي وضعوا فيها. حالة قد لا تختلف كثيرا من حيث المضمون عن الحالات السابقة، فالنساء هنا أيضا يخضعن ربما لتعريفات الدولة للذكورة والأنوثة، فالأنثى الفرنسية هي تلك الأنثى التي لا تنجب سوى مواطنين صالحين، أما في حال تمسكت بأشبالها الصغار (أولاد الجهاديين) فهي بذلك لا تقترب من مخيال الأنوثة الفرنسي.

لا مجال هنا لجانبها الأنثوي أو الحقوقي، بل هناك نوع من التماهي بين صورة هذه المرأة مع صورة الجهادي من حيث الخطورة. لا فرق بينهما اذن، هنا تغيب أيضا صورة المرأة لصالح مخيال أوروبي قاصر لا ينظر لحقوق النساء أو وضعهن في الحروب، تراجع عن قيم الأمة والمساواة لصالح رؤية تتجاهل أو تهمش أي رؤية أنثوية لا تتوافق مع قيم الأنوثة التي صنعتها الأمة الفرنسية.

وبذلك نجد أن مشهد اعتقال جهاديات أوروبيات يحرسهن سجانون أكراد لا يرون أي دور للمرأة الكردية خارج حياة القتال، مع تعريف فرنسي ضيق للأنوثة يكشف لنا عن أنوثة متخيلة جديدة في الشرق الأوسط، وهي أنوثة لم تنتج عن قيم بطريركية محلية، بل عن تفاعل بين العالمي والديني والمحلي وقوى الحرب.

 

 

محمد تركي الربيعو

حقوق النشر: محمد تركي الربيعو 2018

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : جهاديات بدويات وملكات جمال كرديات: أنوثة متخيلة على يد فتيات أوروبيات

مقاتلات و ملکات جمال المرآة الحقیقیة ولسن سبایا ولا مقاتلات النکاح

faiza Khalil11.12.2018 | 18:38 Uhr