مصر

«عَمَار يا أم الدنيا»… ذاكرة وأحلام الناس العاديين عن عمارة القاهرة

يقف بنا المؤلف عند عام 2016، ولن يكون هذا الوقوف جراء توقف ذكريات المصريين أو أحلامهم، أو موت الميدان، رغم عمل النظام على ذلك، بل لأنّ المؤلف لم يعد قادراً، ربما على التجوال في ساحات وأحياء مصر، ورصد تحولاتها.

كانت الساعة قد اقتربت من الثالثة ظهراً حين وقع أكبر زلزال في تاريخ مدينة القاهرة، الذي سيُعرف بزلزال عام 1992. لن يهزّ هذا الحادث، الذي أودى بحياة المئات، وشرّد الآلاف، مشاعر الملايين داخل البلاد أو خارجها فحسب، بل سيكون له وقع كبير كذلك على عدد من المراقبين العالميين للشرق الأوسط. فبعد سنوات من تسليط الضوء على صورة الرئيس الراحل أنور السادات، وهو يُقتل على يد إسلامي متطرف، كانت الكاميرات تتحوّل هذه المرة لرصد واقع الناس والشوارع والأحياء الفقيرة.

وسيُعبّر، لاحقاً، عدد من الباحثين الغربيين عن هذا التحوّل في نقل المشهد، من خلال التركيز على موضوعات جديدة، تعنى بحيوات الناس العاديين في العشوائيات، بدلاً من التركيز فحسب على موضوعات الإرهاب والإسلام السياسي، أو طبيعة النظام المصري، وعلاقته بمحيطه. وقد بدا هذا الأمر أكثر وضوحاً، مع تشكّل مجموعة «كلية القاهرة للدراسات الحضرية»، التي ضمّت عدداً من الباحثين الغربيين، وشرق الأوسطيين المشتغلين على تاريخ المدينة؛ فبدلاً من التركيز على موضوعات مثل دراسة يوميات أحفاد البنا وسيد قطب، وعلاقتهم بالسياسة، التي انشغل بها جيل الآباء، حاولت هذه المدرسة البحث في يوميات الشارع، والأحياء العتيقة، بالإضافة إلى دراسة تأثير سياسات التجديد الحضري النيوليبرالية على المجال العام، التي أدّت إلى خلق تقسيمات اجتماعية وذوقية جديدة بين المصريين، بالإضافة إلى تقديم مقاربات جديدة حول الإسلام اليومي وطقوسه مثل الموالد؛ فقد وجدت الباحثة الفرنسية آنا مادوف، أن هذه الطقوس لم تعد مجرد احتفالات دينية، بل غدت بمثابة مناسبات لإعادة رسم حدود الصراع بين المجتمع والدولة على المكان، إذ يقوم المشاركون فيها بإعادة السيطرة مؤقتاً على الفضاء، وإعادة ترتيب مسرحه خلافاً لقواعد السلطة.

وتتمثّل أهمية هذه الدراسات، كما ذكرنا، في قدرتها على خلق ساحات أخرى لدراسة تاريخ المدينة، وبالأخص ما عرفته من تطورات على صعيد مجالها العمراني، الذي سيبقى الشاهد الأكثر وضوحاً على التقلّبات التي عرفتها مصر خلال القرن العشرين. فمع كل تغيير سياسي/اقتصادي، كانت الأماكن والأحياء في القاهرة تجبر على ارتداء كساء آخر.

ولعل من بين الكتب العربية القليلة، التي ربما استفادت من أدوات ومقاربات هذه المدرسة، وتنبّهت لأهمية تدوين يوميات زلزال 2011، من خلال ذاكرة العمارة والمجال العام، هو كتاب المعماري والأكاديمي المصري علي عبد الرؤوف «شعب وميدان ومدينة» والصادر قبل أشهر قليلة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. إذ لا يعيد لنا المؤلف، في هذا الكتاب، رواية ما حدث في البلاد، بعيون السياسيين، أو الثوار، أو العسكر، بل سيترك الأمر للميادين لتروي لنا ما جرى في الأعوام الأخيرة. فهذه الأماكن لم تكن مجرد ساحات باردة، أو فضاءات مادية، بل هي أرواح، عاشت أحداثاً كبيرة، قبل أن تُهجر، وتُشوّه وتتفتت.

القاهرة الرومية… ولادة الميادين العامة

في فصوله الأولى، سيعود بنا المؤلف إلى فترة محمد علي؛ فقد عرفت هذه المرحلة، المليئة بالتحولات، حدثاً ستكون له تداعيات على واقع مدينة القاهرة، فبعد سنوات من مكوث حكام مصر في القلعة، نقل الباشا أثاث قلعته إلى قصره الجديد في شبرا، قبل أن يحمل مرة أخرى على الظهور إلى قصر عابدين مع الشاب الخديوي إسماعيل.

سيؤدي هذا الانتقال من العزلة إلى وسط المدينة إلى توسع مدينة القاهرة خارج أسوارها التقليدية. كان الخديوي قد عاش في فرنسا وانبهر بالتحولات العمرانية التي عرفتها مدينة باريس، ولذلك سارع إلى ترك القاهرة الإسلامية نحو أسوارها الخارجية. ومع ولادة فكرة «القاهرة الرومية»، أخذت فكرة الميدان، كنسق عمراني، تفرض نفسها على البنية العمرانية للمدينة الجديدة. فكانت البداية مع ميدان عابدين والعتبة، قبل أن يأتي دور ميدان الإسماعيلية (التحرير اليوم) ليفرض نفسه كشاهد على تحولات مدينة القاهرة. ومع مرور الأيام، كان هذا الميدان الأخير على موعد مع عدد من الأحداث، بدءا بالتظاهرات التي جرت إبان ثورة 1919 بقيادة الزعيم سعد زغلول، كما عرف مشاريع عمرانية في ساحته والأحياء المحيطة به، مثل مشروع المعماري السويسري كاستامان الذي صمم عمارة «غروبي».

مع قدوم عبد الناصر، أخذ هذا الميدان يعيش تفاصيل جديدةً، إذ قام الضباط الأحرار بهدم الثكنة البريطانية، التي كانت تتخذ من بعض أجزائه مقراً لها، ليبنوا محلها عدداً من الفنادق الغربية (فندق هيلتون 1954) ومقراً لجامعة الدول العربية. كما حاولوا، في سياق الرغبة بتسيهل أمور حياة المواطن المصري، جمع كثيرٍ من المصالح الحكومية في بناء من طراز سوفييتي (مجمع التحرير)، صُمِّم على شكل هرمي متّسع ليناسب الشكلَ الدائري للميدان. ولعل هذا التجاور بين عمارة غربية وأخرى ذات طراز سوفييتي، الذي عرفه الميدان، كان يبوح بحالة الارتباك والحيرة التي عاشها عبد الناصر، قبل أن تأتي مرحلة السادات، الذي حاول في البداية الترفيه عن المصريين، فقرّر تحويل الميدان إلى حديقة، بيد أنّ هذه الرغبة لن تستمر طويلاً، فسياسات الانفتاح الاقتصادي، أخذت تُقذف بالميدان، أو بالأحرى تقذف إليه عدداً من الفنادق ذات الطابع المعماري الحديث مثل، سميراميس ورمسيس هيلتون، قبل أن يأتي مشروع النيوليبرالية في زمن مبارك، ليحوّله إلى عقدة مرورية ليس إلا، خاصة أنّ «أرض الأحلام» لم تعد موجودة في هذا الميدان وباقي الميادين، وإنّما في أماكن خارج القاهرة.

ولذلك غدا هذا المكان عبارة عن بؤرة جذب لحركة سيارات شديدة التعقيد، ليس إلا، ومكاناً مهملاً، وهو ما كان يتناسب مع السياسات الحضرية آنذاك، التي اختزلت القاهرة إلى عدد من الفنادق والمولات، وبعض الأماكن الأثرية، التي أعاد النظام اكتشافها لأغراض سياحية بعد أن قام بطرده أهلها، أو منعهم من التجول في داخلها، وهو ما لاحظه مثلاً المعماري ياسر الششتاوي، في سياق دراسته لسياسات الضبط في منطقتي مسجد الرفاعي والسلطان حسن. ونتيجة لذلك، تقلّص الدور الاجتماعي الجوهري الذي يؤدّيه الفضاء العام في القاهرة، قبل أن تعود للحياة من جديد مع اندلاع شرارة الثورة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة