مصر

"القاهرة منذ عام 1900": تاريخ العمارة المصرية الحديثة المعتَّم عليه

من مبنى مُجمَّع ميدان التحرير إلى مبنى شركة هليوبوليس مرورا بمبنى مستشفى العجوزة وحتى مبنى الجامعة الأمريكية في القاهرة. 226 منشأة في العاصمة المصرية تمثل حوالي 120 عاماً من التطوِّر المعماري المصري، يناقشها محمد الشاهد في كتابه "القاهرة منذ عام 1900: دليل معماري"، موضحاً بشكل مُقنِع أن المدينة التي نراها اليوم تشكلت إلى حد كبير وفق اعتبارات القرن العشرين بعناصر انتقائية هجينة أوروبية وإسلامية مملوكية وفاطمية، رغم ما توصَف به من أنها مدينة عتيقة مليئة بالعجائب البالغة من العمر آلاف السنين. الناقدة الأدبية مارسيا لينكس كويلي قرأت الكتاب لموقع قنطرة.

في أوائلِ القرنِ التاسعِ عشر، كانَ عددُ سكّان القاهرةِ يُقدَّرُ بحدودِ 350 ألف نسمةٍ. وفي عام 1947، أصبحَ عددُ سكّان القاهرة الكبرى حوالي 2.5 مليون نسمة. أمّا في أيامنا هذهِ عام 2020، فقد تمدّدت هذه الحاضرة المصرية لتستوعبَ أكثرَ من 20 مليون نسمة.

وجودُ المزيد من الناسِ لا يعني بالضرورةِ وجودَ المزيدِ من الروائعِ المعماريةِ، بيدّ أنّ ذلكَ يعني وجودَ المزيدِ من المباني. وليسَ مشروعُ محمد الشاهد مجردَ وصفٍ للمنشآتِ الأكثر جمالاً أو الأكثر غرابةً بين منشآتِ القرنِ العشرينِ في القاهرةِ. فكما تكتبُ مرسيدس فوليه في مقدِّمتها، إنَّ مشروعَ الشاهد لا يتمحورُ حولَ مدحِ المباني الشهيرة بل حولَ إظهارِ أنَّ "المدينةَ تمتلكُ مشهداً بنائياً حديثاً حقيقياً ذا قيمة في حدِّ ذاته".

وهكذا، نرى، في كتابِ "القاهرة منذ عام 1900"، صوراً وأوصافاً ليست فقط عن المباني الفريدة في وسطِ القاهرة، أو هليوبوليس، والزمالك، بل أيضاً عن تطوّرات الإسكان في خمسينياتِ القرنِ الماضي في ضاحيةِ مدينةِ نصر و"مدينة العمال" في عام 1950 في منطقةِ إمبابة، وهي منطقةُ طبقةٍ عاملةٍ.

الغلاف الإنكليزي كتاب محمد الشاهد "القاهرة منذ عام 1900: دليل معماري". (source: Bloomsbury)
يقولُ محمد الشاهد في كتابه إن تجميعَ هذه المجموعة كان أمراً مُلِحّاً وصعباً. وتقول مارسيا لينكس كويلي إن: "جزءاً من الإلحاحِ كان يتمثّلُ في سرعةِ عملياتِ الهدمِ، التي يُشجِّعها القانونُ المصري الحالي".

حداثةُ القاهرة: مائعةٌ، وهجينةٌ ومُصمّمةٌ محلياً

لكن قبلَ أن يصلَ محمد الشاهد إلى الـ 226 منشأة التي تُشكِّلُ جوهرَ كتابه، يحدِّثُنا عن سببِ كثرة تجاهُلِ هذه الفترة من العمارةِ المصرية. فعلى الصعيدِ العالمي، كثيراً ما تُركِّزُ السردياتُ المتعلّقةُ بالحداثةِ –سواء كانت معمارية أو فنية أو أدبيّة- على المشاريعِ الحداثيةِ الغربيّةِ بصورةٍ حصريّةٍ. أمّا مشاريعُ الحداثةِ الأخرى، إن نوقِشت، فغالباً ما تُلحَقُ بمشاريعِ الحداثةِ الغربيةِ بوصفها مشتقّةً أو كجزءٍ من مشروعٍ استعماري يقودُه الغربُ.

وداخل مصر، خُفِّضت قيمةُ ابتكارات القرن العشرين المعمارية في القاهرة بشكلٍ أكبر. ويُشيرُ محمد الشاهد أنّه لا يوجدُ "هيئاتٌ خاصةٌ أو حكوميةٌ مُتخصِّصة تعترفُ بالمباني الحداثية وتأرشفها وتوثِّقها أو تحميها". كما أنَّ هذه الفترة في أقسامِ العمارةِ في الجامعات المصريةِ، إما مهمّشة أو محذوفة كلياً. وكما يقولُ محمد الشاهد فإن طلاّب هندسةِ العمارةِ يتخرّجونَ من دون أن يأخذوا مقرراً واحداً عن تاريخِ العمارة الحديثة في مصر.

لماذا هذا الأمرُ مهمٌ؟ لأنّه، على سبيلِ المثال، يزيدُ من صعوبةِ بناء المهندسين المصريين على كاهلِ أعمال الماضي ومواجهة الأخطاء ومضاعفة حالات النجاح. وكما يشيرُ محمد الشاهد فإن ذلك يعني وجود قلةٍ من المتخصِّصين ممن لديهم اهتمام أو مهارات للحفاظِ على مباني القرن العشرين.

وكما هو واضحٌ من الـ 226 منشأة التي يصفُها الكتابُ –والتي تمثِّلُ حوالي 120 عاماً من التطوِّر المعماري المصري- فيوجدُ الكثيرُ مما يستحّقُ الحفاظ عليه. ورغمَ أنّ بعض المباني في كتاب "القاهرة منذ عام 1900" صُمِّمت من قبل أوروبيين، إلا أنّه، وكما يكتبُ محمد الشاهد: منذ "ثلاثينيات القرن الماضي فصاعداً، لم تكن حداثةُ القاهرة عمل خبراء أو مهندسين معماريين مستورَدين من الخارج....بل ثمرةَ خبرة محلّية".

حداثةُ القاهرة –كما يصِفها محمد الشاهد- لا تحدِدُها أي فلسفةٍ بعينها، سواء كانت محلية أو أجنبية. بدلاً عن ذلك، فإنّ السمةَ المميّزة لها هي أنها عبارة عن تهجينٌ انتقائي.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة