مصر كطليعة سلطوية

لماذا يهتف المُحتجون في أنحاء العالم العربي ضد الرئيس السيسي؟

لم يكن في الوارد تخيّل عودة السلطوية العنيفة بعد الربيع العربي لو لم يحدث انقلاب في مصر ضد الرئيس مرسي وما تبعَهُ من إحكام قبضة النظام على السلطة. الثقل الإقليمي لمصر هو الذي يُفسّر لماذا تردّد صدى إجراءات نظام السيسي في أنحاء الشرق الأوسط. تحليل شريف محي الدين ونهى خالد.

كان من أبرز مئات الهتافات التي انطلقت من حناجر المحتجين العرب في الجزائر والعراق ولبنان خلال الأشهر الأخيرة من المظاهرات التي يمكن اعتبارها الموجة الثانية مما يدعى الربيع العربي، تلك التي استهدفت على وجه التحديد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

لماذا يشتم المحتجون العرب السيسي؟ ولماذا كانت التظلّمات المحلية المتمحورة حول قضايا الاقتصاد والحوكمة، مُترعة بهذه النزعة المعادية للسيسي؟

ربما يمكن العثور على الجواب في تضاعيف تعليق شهير لوزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كسينجر، الذي ألمع مرة إلى أنه لا حرب ضد إسرائيل من دون مصر، ولا سلام من دون سورية. هذه المقولة يمكن سحبها ليس فقط على تعريف ثوابت النزاع العربي- الإسرائيلي، بل أيضاً على التحديد الأوسع لسياسات المنطقة ولدور مصر اللازب والضروري فيها.

ما طبيعة السلطة في العالم العربي؟

الدول العربية، بكونها سلطوية، فائقة المركزية؛ لكن الطاقات المحدودة تضعف قدرة النخب السلطوية على ممارسة الحكم في مجتمعاتها.

كما أنها في معظمها أسيرة الشبكات الزبائنية. وهذا رسّخ درجة عالية من نقاط الضعف والانكشاف أمام الأحداث التي تجري على قدم وساق في أرجاء المنطقة. فالنخب الحاكمة في بلد ما تتأثّر بمصير نخب حاكمة في بلدان أخرى. ثم أن الأفكار تسري كالنار في الهشيم بين مختلف المجتمعات العربية التي تتحدث لغة واحدة، ما يفسّر عجز الأنظمة العربية عن فرض سيطرة كاملة على مجتمعاتها.

 

 

لطالما كانت مصر مركز هيكلية مُحكمة البنيان من السياسات الإقليمية. فالانقلاب العسكري العام 1952، على سبيل المثال، ألهم سلسلة من الانقلابات المشابهة من العراق إلى ليبيا، توازياً مع انتشار الناصرية والقومية العربية في طول المنطقة العربية وعرضها. ثم تلا ذلك انبعاث التيارات الإسلاموية في السبعينيات والثمانينيات. وقد خدم الدور المركزي للصراع مع إسرائيل، التي تعتبر "عدواً مشتركاً"، كحافز إضافي أدى إلى تعميق الطبيعة التفاعلية للسياسات الإقليمية.

 

اقرأ/ي أيضًا | ملف خاص: الربيع العربي.. بين حسابات الحقل وحصاد البيدر

في السودان، الجزائر.... أين يقع ميدان التحرير اليوم؟

 

مع مقدم العولمة ومعها التغيّرات التكنولوجية التي جلبتها منذ أواخر التسعينيات، استدارت المنطقة بشكل لارجعة عنه نحو تفاعل عالي الوتيرة، حتى حين كانت شرعية الأنظمة تترنّح في منحى انحداري. وهذا التطوّر وصل إلى ذراه في العام 2011، حين اندلع لهيب الاحتجاجات في كل أنحاء المنطقة. وهنا، تعيّن على الأنظمة الأوتوقراطية التي حاكت خيوط الوضع الراهن إما أن تتبنّى ديمقراطية أكبر لتلبية المطالب الشعبية، أو أن تُطبّق طغياناً أوسع لإخضاع مجتمعات جامحة وعنيدة على نحو متزايد.

وبالتالي، وفي خضم فترة التعلّم الفوضوية والمقتضبة التي استنسخ فيها العرب تكتيكات وشعارات بعضهم البعض، برزت بالتدريج لدى النخب الحاكمة ممانعة أطول وأفضل تنظيماً ضد التغيير.

ومرة أخرى، احتلّت مصر مركز الصدارة في هذا المجال، مع الانقلاب العسكري العام 2013 ضد الرئيس آنذاك محمد مرسي. وتلا ذلك نقطة تحوّل أخرى، حين فرض السيسي شكلاً أكثر أشد وطأة من السلطوية لتحل مكان السلطوية الناعمة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

"مبدأ السيسي" ترسّخ في المنطقة

 

الآن، يمكن القول بحذر أن "مبدأ السيسي" ترسّخ في المنطقة، وجاء متميّزاً بإجراءات قاسية لقمع كل علائم الاختلاف في المجتمع. وفي هذا السياق، كان تقلّص هامش التسامح في السعودية وموجة الاعتقالات في صفوف شخصيات ملكية معارضة وأخرى كانت موالية سابقاً لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مؤشران مُعبّران على هذا المنحى.

كما برزت مقاربة مماثلة في دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين، وكذلك في التراجع الجزئي عن الإصلاحات في المغرب، وفي تفاقم سطوة الجنرال الليبي خليفة حفتر الذي يتطلّع ليكون سيسي آخر.

لم يكن في الوارد تخيّل أيٍ من هذه الخطوات لو لم يحدث انقلاب في مصر ضد السيسي وما تبعَهُ من إحكام قبضة النظام على السلطة. الثقل الإقليمي لمصر هو الذي يُفسّر لماذا تردّد صدى إجراءات نظام السيسي في أنحاء الشرق الأوسط وربما حتى في تركيا. فالنظام المصري، وكما فعل خلال الخمسينيات، وضع معايير هادية نحو سيطرة الدولة القوية على المجتمع.

هذا يوضح، على ما نعتقد، لماذا أدان المحتجون السيسي خلال الأشهر الأخيرة.

تكرار سيناريو السيسي: إما النصر وإما مصر

أما موقف سورية في هذا الإطار، فلم يُملِهِ وزنها، بل كونها حجر الرحى الجغرافي والديموغرافي في منطقة المشرق. ذلك أن القمع الذي مارسه الرئيس بشار الأسد ضد شعبه وما أطلقه من تداعيات إقليمية وعالمية، يبرهن مقولة اللااستقرار الذي تستطيع سورية أن تتسبّب به في المنطقة، على رغم المحدودية النسبية لحجمها واقتصادها.

سورية هي الدولة الرئيس ليس لأن جيرانها يميلون إلى تقليد سياساتها، التي تعتبر أكثر وحشية وتكلفة بحيث يتعذّر في الواقع تطبيقها في أماكن أخرى، بل لأنه لا غنى عنها للاستقرار الإقليمي. صحيح أن سورية ليست البلد الذي تُعتبر توجهاته الأكثر تأثيراً إقليمياً، لكن الصحيح أيضاً أنها الأكثر تقلّباً واشتعالا.

وبالعودة إلى ملاحظة كسينجر حول الصراع العربي- الإسرائيلي، يمكن القول بالمثل، ولكن بحذر: لا طغيان من دون مصر، ولا ديمقراطية من دون سورية.

 

شريف محي الدين ونهى خالد

 2020 حقوق النشر: مركز كارنيغي للشرق الأوسط

نهى خالد كاتبة وباحثة مصرية. تتمحور أعمالها حول الحداثة وتحوّل الدولة في الشرق الأوسط، مع تركيز خاص على الشؤون التركية والإيرانية.

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة

الأنظمة العربية.... من مشاريع قومية الى مزارع عائلية  

الثورات المضادة أحدثت انتكاسة هائلة في العالم العربي"

عودة مصر إلى العسكريتاريا الشعبوية: مصر من ثورة يناير إلى الإخوان ثم السيسي

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة