مضخات شمسية تستنزف مياه الري الجوفية اليمنية؟

ضرورة لجم ثورة الطاقة الشمسية في حقول اليمن

يرى خبراء أن اليمن من أفضل مناطق العالم استغلالا للطاقة الشمسية. فبعد تدميرالحرب محطات الكهرباء وجد يمنيون كُثُر ضالتهم في هذه الطاقة النظيفة لإنارة منازلهم ومستشفياتهم وحتى لضخ مياه الزراعة، لكن دراسة حذرت من عدم ضبط هذه التقنية في ضخ المياه الجوفية. الصحفية كاثرين شير سألت خبراء غربيين عن ذلك.

معظم الأخبار الواردة من اليمن ليست بالسارة منذ انزلاق هذا البلد الفقير في حرب أهلية أواخر عام 2014، لكن الشيء الوحيد الذي يُنظر إليه باعتباره أمرا إيجابيا يتمثل في اعتماد البلاد بشكل كبير على الطاقة الشمسية، في تحول وصفه برنامج التنمية والطاقة (EADP) ومقره برلين، بأنه "ثورة" في اليمن.

حتى قبل اندلاع الحرب، كانت البلاد تعاني من فقر ونقص في الطاقة مقارنة بدول الشرق الأوسط الأخرى. ومع اندلاع الحرب الدائرة في اليمن، تمّ تدمير أكثر من نصف البنية التحتية للطاقة الكهربائية ما أدى إلى تراجع إمدادات الطاقة الرسمية في البلاد بشكل كبير.

في البداية، لجأ سكان اليمن إلى مولدات الطاقة التي يمتلكونها والتي تعمل بالديزل لتعويض النقص والاحتياج الكبير إلى الكهرباء، لكن مع صعوبة الحصول على وقود بسبب الحصار، ترتب على الأمر ارتفاع في أسعار الوقود ما دفع الكثير من اليمنيين على التوجه إلى الطاقة الشمسية كمصدر للطاقة.

الطاقة الشمسية تنقذ اليمنيين

وفقا لبرنامج التنمية والطاقة (EADP)، ازداد الاعتماد على الطاقة الشمسية بقوة في السنوات الأخيرة باليمن حتى أصبحت اليوم المصدر الرئيسي للطاقة بالنسبة للأسر اليمنية. ومنذ عام 2016، أخذ الاعتماد على الطاقة الشمسية باليمن في تصاعد إذ "أصبح 75 بالمائة من سكان المناطق الحضرية و50 بالمائة من سكان المناطق الريفية يحصلون على طاقة شمسية" وفقا لما خلص إليه الباحثون في برنامج التنمية والطاقة (EADP).

 

اليمن – ضرورة التحكم بكميات مياه الأرض التي تضخها مضخات الطاقة الشمسية بحيث لا تُستَنْزَف المياه الجوفية
ضرورة التحكم بكميات مياه الأرض التي تضخها مضخات الطاقة الشمسية بحيث لا تُستَنْزَف المياه الجوفية: ينفي باحثون أن تكون الطاقة الشمسية في حد ذاتها هي السبب في إهدار المياه مؤكدين أن المحك الرئيسي في الأمر يكمن في عملية التنفيذ، وأنه لا بد من وضع لوائح واضحة ومراقبة ذات فعالية لمستوى المياه الجوفية. من دون ذلك سيصعب السيطرة على ضخ المياه.

 

وأشار البرنامج أيضا إلى أن هذه الطاقة المتجددة "أنقذت" الكثير من الأرواح لكونها مصدر رئيسي للطاقة بالنسبة للمستشفيات والعيادات الطبية. كما أنها غيرت أسلوب حياة اليمنيين، حتى أن قصصا لشابات يمنيات قمن بإنشاء شبكات صغيرة للطاقة الشمسية في مجتمعاتهن.

يقول الخبراء أن اليمن من أفضل مناطق العالم لاستغلال الطاقة الشمسية. وفي دارسة أممية ذات صلة، خلص الباحثون إلى أن المدراس التي تعتمد على الطاقة الشمسية ساهمت في خفض معدلات رسوب الأطفال في المدارس، والمزارعون استبدلوا المولدات الملوثة للبيئة التي تعمل بالديزل بمضخات تعمل بالطاقة الشمسية من أجل ري المحاصيل.

لكن للأسف أخذت "ثورة الطاقة الشمسية" في اليمن منعطفا قاتما إذ حذر تقرير نشره "مرصد الصراع والبيئة" في المملكة المتحدة، من شحّ خطير للمياه قد يكون سببه الطاقة الشمسية، وفق الباحثين.

الأقمار الصناعية ترصد مياه اليمن

استغل "مرصد الصراع والبيئة" في المملكة المتحدة، المعلومات المتاحة لمراقبة أثار الصراع على البيئة. وبدأ الباحثان في المرصد ليوني نيمو وإيوغان داربيشاير، عملهما في اليمن عام 2019 في مجال الزراعة والمياه الجوفية والتي يقصد بها المياه أسفل التربة وبين الصخور. واستغل الباحثان تقنية الاستشعار عن بعد بالأقمار الصناعية.

ومن أجل رصد المياه الجوفية عن بعد، استخدم المرصد بيانات الأقمار الصناعية المعروفة بالتقنية التي يُطلق عليها "استعادة الجاذبية وتجربة المناخ" أو (GRACE) والتي دشنتها وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) لأول مرة عام 2002. وخلال هذه التقنية لا تلتقط الأقمار الصناعية صورا للممرات المائية بل تقوم بقياس تحركات المياه في العالم مثل ذوبان قمم الثلوج ومستوى المحيطات عن طريق قياس جاذبية الأرض.

 

حقول جبلية ومدرَّجات زراعية في اليمن
ينصح الخبراء بإيلاء المزيد من الاهتمام بطرق الري التقليدية في اليمن ومن أجل تجنب الري الجائر والمفرط: عندما يستخدم اليمنيون مضخات المياه التي تعمل بالديزل فإن هذه المضخات لا يتم تشغليها لفترات طويلة. لكن عندما يتم تشغيل مضخات المياه بالطاقة الشمسية بدلا من الديزل فإن الأمر يستمر طويلا طالما الشمس ساطعة وبمجرد إنشاء محطات للطاقة الشمسية يصبح الأمر مجانا. قد ييدو هذا التحول للوهلة الأولى مفيدا للزراعة وأيضا لتقليل الانبعاثات وتلوث البيئة لكنه في الوقت نفسه يحمل في طياته خطرا كبيرا على مستويات المياه الجوفية. يرى الخبراء أنه إذا اعتمد شخص ما على الطاقة الكهربائية في الري فيمكن تجنب الري الجائر والمفرط عن طريق تقليل إمدادات الطاقة الكهربائية. لكن عندما يتم استخدام الطاقة الشمسية فلا يمكن لأي شخص السيطرة أو التحكم في الأمر. وينصحون بالسيطرة على ضخ المياه.

 

وعندما يحدث تغيّر كبير في الكتلة فإن جاذبية الأرض تتغير هي الأخرى قليلا، لذا فعندما توجد مياه جوفية أقل فإن الكتلة تقل أيضا وتتحرك قليلا. تسجل الأقمار الصناعية هذه الحركة وترسلها إلى العلماء من أجل استغلال هذه البيانات في رصد التغيير في مستوى المياه على الأرض.

مستوى متدنٍ من المياه

استخدم الباحثان في المرصد الاستشعار عن بعد بالأقمار الصناعية واكشتفا أن مستوى المياه الجوفية في غرب اليمن وصل إلى أدنى مستوى له منذ بدء تسجيل بيانات الأقمار الصناعية في 2002. وخلصا إلى أن الاعتماد الواسع النطاق للطاقة الشمسية ربما لعب دورا كبيرا في انخفاض مستوى المياه الجوفية بشكل مقلق.

ويعتمد اليمنيون بشكل كبير على المياه الجوفية إذ أن اليمن يعد واحدا من أكثر البلدان التي تعاني من ندرة المياه في العالم. عندما يستخدم اليمنيون مضخات المياه التي تعمل بالديزل فإن هذه المضخات لا يتم تشغليها لفترات طويلة لأن الأمر عالي التكلفة بالنظر إلى أسعار الوقود المرتفعة وهذا ما أدى إلى نقص في المحاصيل وبالتالي الزيادة في رقعة المجاعة في البلاد.

لكن عندما يتم تشغيل مضخات المياه بالطاقة الشمسية بدلا من الديزل فإن الأمر يستمر طويلا طالما الشمس ساطعة وبمجرد إنشاء محطات للطاقة الشمسية يصبح الأمر مجانا. قد ييدو هذا التحول للوهلة الأولى مفيدا للزراعة وأيضا لتقليل الانبعاثات وتلوث البيئة لكنه في الوقت نفسه يحمل في طياته خطرا كبيرا على مستويات المياه الجوفية.

نفاد المياه الجوفية

في حوار مع دويتشه فيله قال الباحثان ليوني نيمو وإيوغان داربيشاير إنهما خلصا إلى هذه النتيجة بسبب عوامل عديدة أولها أن مستوى مياه الأمطار أعلى من المتوسط فيما لا يزال مستوى المياه الجوفية آخذا في الانخفاض. وفي ذلك يقول داربيشاير  إن "هذا عكس ما قد يُتَوقَّع".

 

إطلاق قمر صناعي يحمل تقنية اسمها "استعادة الجاذبية وتجربة المناخ" أو (GRACE) لوكالة أبحاث الفضاء الأمريكية ناسا في عام 2018.
استخدم باحثون الأقمار الصناعية واكشتفوا أن مستوى المياه الجوفية في غرب اليمن وصل إلى أدنى مستوى له منذ بدء تسجيل بيانات الأقمار الصناعية في 2002. وخلصا إلى أن الاعتماد الواسع النطاق للطاقة الشمسية ربما لعب دورا كبيرا في انخفاض مستوى المياه الجوفية بشكل مقلق. الصورة لإطلاق قمر صناعي يحمل تقنية اسمها "استعادة الجاذبية وتجربة المناخ" أو (GRACE) لوكالة أبحاث الفضاء الأمريكية ناسا في عام 2018.

 

أما العامل الثاني فيتمثل في الزيادة الكبيرة جدا في استخدام الألواح الشمسية في اليمن. والعامل الثالث هو يستند على إحصائيات المسؤولين اليمنيين ففي عام 2019 كان هناك زيادة في الزراعة محليا بعد النقص الحاد في الزراعة جراء الحرب وذلك يعني أن هناك ريٌّ أكثر واستغلال أكثر للمياه. وقالت نيمو لدويتشه فيله إن "كل الأدلة تشير" إلى الزيادة الكبيرة في استخدام مضخات المياه التي تعتمد على الطاقة الشمسية.

وأكد الباحثان أنهما متأكدان بشأن ما خلصا إليه من نتائج إلا أنهما يقولان إنه من أجل إثبات هذه الفرضية بشكل يقيني فإن هناك حاجة لإجراء المزيد من الأبحاث والاختبارات في اليمن رغم أن هذا أمر صعب بسبب الحرب والمعارك الدائرة هناك. ويقول الباحثان إنه من الصعب معرفة أو تحديد متى ستنفد إمدادات المياه الجوفية في اليمن أو حتى متى يتعذر الحصول عليها.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة