الالتزام الديني يكرس الأخلاق الحميدة

الأطروحة الأساس التي يرتكز عليها أنصار كل دعوة دينية في أي مجتمع في العالم، أن الالتزام الديني يكرس الأخلاق الحميدة ويضاعف من الخير ويقلل من الشرور.

لكن هذه الأطروحة غير متماسكة، لا من ناحية نظرية ولا من ناحية إحصائية. على سبيل المثل، ولتقريب الصورة، تعتبر البلدان العربية والمسلمة أشد المجتمعات تديناً في العالم، إضافة إلى مجتمعات جنوب الصحراء الأفريقية. لكن كثيراً من هذه البلدان مثل أفغانستان وإيران ومصر مثلاً، تتصدر دول العالم في كثير من الأخلاقيات السيئة مثل التحرش الجنسي بالنساء، أو عدم احترام النظام أو النظافة. بينما كثير من البلدان، التي تتصف بنسب تدين منخفضة ونسب إلحاد عالية تقل فيها نسب التحرش بالنساء، ويُحترم فيها النظام والنظافة. على ذلك، ليست هناك علاقة آلية بين الأخلاق ومدى الالتزام الديني، على ما تطرحه الحركات الدينية أياً كانت.

نساء إيرانيات يحتفلت بعيد الفطر في 26.6.2017
خالد الحروب: "لماذا يثور المسلمون إزاء بعض القضايا ثم يلفهم الصمت المذهل إزاء قضايا أخرى؟ ما الذي يقدّم ويؤخر الأولويات والحساسيات على أجندة الوجدان المسلم؟"

ضرورة تغيير مفاهيم التدين والوطنية والمواطنة

يطرح ذلك كله جملة من الحقائق والتحديات التي يجب أن تقض مضاجع الجميع، أولها وجوب التخلص من التعسف الأخلاقي الكبير في ربط علاقة قوية وشرطية بين التدين والوطنية، كما تم الترويج في المخيلة العامة خلال سنوات المد الإسلاموي الحركي في المنطقة، معززاً بطريقة غير مباشرة بالخطاب الرسمي.

فهنا اشتغل الخطاب الديني بتنويعاته المختلفة في شكل مباشر أو غير مباشر على التشكيك العميق في وطنية وأخلاقية ومهنية وإخلاص غير المتدينين وفي تحلّيهم بأي من القيم الإيجابية، وحصر تلك القيم بالمتدينين فقط. والمقصود بنزع الوطنية هنا ليس فقط التخوين والاتهام بالعمالة للغرب والخارج. بل الأخطر من ذلك كله في هذا السياق وفي مسألة نزع الوطنية، عدم الإقرار الضمني بأن هؤلاء مواطنون يتمتعون بكامل الحقوق.

الدولة المدنية القائمة على المساواة في المواطنة عليها أن تحمي حق مواطنيها في التمتع بحرياتهم الفردية والمسلكية، وليس فقط حرياتهم السياسية. وشأن الدولة هو أن توفر المناخ الصحي في الحياة في شكل طبيعي ومن دون قمع.

ولا فائدة هنا من المناكفة الشهيرة التي تحوم حول «حدود الحرية» وأنها غير مطلقة، فهذا من البداهات الاجتماعية، ذلك أنه في أكثر البلدان انفتاحاً في الغرب لا يمكن أحداً أن يمارس حريته الفردية في الخروج عارياً إلى الشارع.

 

خالد الحروب

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

خالد الحروب كاتب ومحلل سياسي عربي معروف.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.