الثورة لم يسرقها أحد 

كانت الانتفاضات العربية لتحرير المجال العام من سطوة وسيطرة الأنظمة التي قمعت أي تعبيرات سياسية وقمعت أي محاولة للعمل الجماعي، حتى لو لم تكن سياسية.

يصدق هذا على النقابات أو على التنظيمات الدينية بل حتى على الحملات الطوعية لتنظيف الشوارع، خوفاً من أن تتحول إلى مكان تنبثق منه معارضة ممكنة تتحدى هذه الأنظمة. 

وكان عمل الأنظمة يتلخص بقمع أي تعبيرات عن الذات أو الدفاع عنها، لكن أيضاً منع التعبير عن أي من الاختلافات، بما يسمح لاحقاً بتطوير أشكال تحاورية لإدارة الخلافات وتنظيمها. 

 

 

ومع سقوط الأنظمة أو تضعضع سطوتها، اندفع الجميع للتعبير عن أنفسهم وانفجرت أشكال هائلة وتنظيمات عديدة للتعبير عن الذات، وهنا ظهرت الانقسمات الكبرى العاملة في المجتمعات العربية دفعة واحدة، سواء انقسامات اثنية أو طائفية أو حول حضور الاسلام في الحياة العامة، وغيرها.

هنا أيضاً تظهر صعوبة رسم لوحة محددة للانتفاضات العربية، فهي وإن لم تكن انتفاضات اثنية أو طائفية أو إسلامية، إلا أنها كذلك على نحو ما.

فقد صارت هذه النزاعات جزءاً أساسياً في المجال العام (وفي انهياره أيضاً) وجزءاً من الحركة التاريخية للانتفاضات العربية، كونها انتفاضات تهدف إلى تأسيس المجال العام وتحريره من سطوة الانظمة. 

لهذا ليس من الممكن الاكتفاء بجزء من تاريخ الانتفاضة والوقوف عنده، لحظة ميدان التحرير أو “الشعب السوري واحد”، فهذه اللحظات نفسها هي التي فتحت مجالاً عاماً ظهر فيه السني والكردي والعربي والعلوي، العلماني والإسلامي، بكل نزاعاتهم وخشيتهم وقلة الثقة فيما بينهم. 

هذه الخلافات وتحولها إلى مناط منازعات سياسية كانت (وستكون مستقبلاً) جزءاً من تاريخ الانتفاضة ومن تاريخ تحرير المجال السياسي. 

وطالما أن هناك انقسامات وتمييز اجتماعي وطائفي وأهلي وقومي، فإن النزاعات على هذه الأسسس ستبقى حاضرة في أي عملية تثوير بكل تبعاتها ورهاناتها. 

فأي انتفاضة بحرينية سيكون الشيعة متنها، وأي انتفاضة سورية سيكون السنة متنها، وأي سؤال تحرر سوري يستدعي سؤال تحرر الأكراد.

لم يسرق أحد الربيع أو الثورة، لكن الثورة أو الانتفاضة بعد لحظتها الأولى لم يكن في جعبتها ما يسمح لها بتحييد المجال العام من خلافات تاسيسية وثقيلة ينهار تحت وطأتها.

ولم يكن في جعبتها تسويات تأسيسية تسمح بإبعاد الخلافات الكبرى حول أشكال الحياة والقيم الكبرى عن المجال العام (أي تخصيصها، بردها إلى المجال الشخصي للأفراد) وتقديم ضمانة تأسيسية للجميع من الجميع.

أفق للتثوير العربي

إن هذه المقالة كانت محاولة لتقديم ملاحظات عن أسباب الصعوبة الكامنة في رسم صورة عامة للانتفاضات العربية وما يلازمها من صعوبة في تقديم إجابة عن السؤال السياسي المرافق، لماذا فشلت الانتفاضات وذلك بالإحالة إلى سمتين أعتقد أنهما تساعدان في فهم السياق العربي الخاص بهذه الانتفاضات.

السمة الأولى متعلقة بهجانة في الواقع وفي إدراكه، وما يرافقها على مستوى العمل من التباس وانعدام ثقة، بما يجعل من العسير جمع المنتفضين في أطر سياسية عامة من ناحية أو الوصول إلى اتفاقات تأسيسية تكون بمثابة إرساء لقواعد عامة يتم التأسيس عليها والاجماع حولها بما يسمح بالاستمرار والتقدم إلى الامام في مواجهة السلطة.

السمة الثانية هي تعدد النزاعات الاساسية في المجتمعات العربية، وهي نزاعات تم قمعها من قبل الأنظمة السلطوية (وليس حلها) وهي بدورها ستحضر بكل قوتها مع أي فتح للمجال العام وتحريره، بل إنها جزء من عملية التثوير الضرورية لفتح المجال العام عنوة. بهذا فإن مسار الانتفاضات العربية هو أيضاً مسار تثوير هذه النزاعات وإدارتها وحضورها في المجال العام. 

فيما يتعلق بالسؤال السياسي، أدى ضعف القدرة في إلى الوصول إلى اتفاقات تأسيسية حول إدراة هذه الخلافات (خصخصتها أو حماية المشاركين في المجال العام عبر ضمانات تأسيسية) إلى انهيار المجال العام تحت وطأة هذه الخلافات.

أعتقد أنه من اللازم لدى التفكير في الانتفاضات العربية، الآن ومستقبلاً، الانطلاق من هاتين السمتين وما يلزم عنهما، بطرح مسائل تستدعي تفكيرا مختلفاً، براغماتياً، يسمح بالوصول إلى تسويات واتفاقات حد أدنى بين تصورات هجينة وشديدة التباين. 

لهذا فالتفكير بالانتفاضات العربية في جزء منه هو تفكير بالهجانة وبالحرب الأهلية بوصفهما أفق توقع ملازم للتثوير العربي.

 

االكاتب: موريس عايق

حقوق النشر: khatt30.com

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة