التأثر بالغرب دعم فكرة "الإصلاح الديني" في الإسلام

ما سبق يبيّن كيف أنّ دور الغرب وتأثيره في ما مضى كانا إيجابيين إلى حدّ كبير دفع باتجاه فكرة "الإصلاح الديني" في الإسلام، وإن لم يكن ذلك في شكل مقصود أو مباشر. غير أنّه ابتداءً من أواسط القرن الماضي سيتّخذ الغرب مواقفَ تفضي إلى آثار بالغة السلبية في هذا الشأن، فيسهم بصورٍ مختلفة في تعطيل إمكانات الإصلاح الديني عبر تقوية خصوم هذ الإصلاح. ذلك أن القوى الغربية من أجل الحفاظ على مصالحها في "العالم الإسلامي"، لا سيما خلال حقبة الحرب الباردة والهوس بمكافحة "الخطر الشيوعي"، تبنّت لفترات طويلة سياساتٍ تقوم على دعم ورعاية فئتين أساسيتين من الحلفاء في المنطقة، والاعتماد عليهما: أنظمة الاستبداد من جهة، والجماعات الإسلامية من جهة أخرى، الأمر الذي عزّز من قدراتهما وكرّس دورهما معاً.

وإذ لم تتوقّف الشراكة الغربية حتى اللحظة مع مختلف الأنظمة المستبدة في العالم الإسلامي، فإنّ "شهر العسل" الغربي مع الإسلاميين كان بلغ ذروته خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي، حين قدّمت "الديمقراطيات الغربية" مختلف أشكال الدعم لبعض أشدّ الإسلاميين تطرّفاً في حربهم ضدّ "الاتحاد السوفييتي الكافر" في أفغانستان، مما ساهم في انتشار أفكار "السلفية الجهادية". ذلك أنّ "التيار الجهادي" ازداد قوّة نتيجة الخبرات الميدانية العسكرية والتنظيمية، وقنوات الدعم الماليّ والإعلامي الهائلة التي أتيحت له أثناء "الجهاد الأفغاني"، والذي مدّه أيضاً بالمزيد من التعصّب الديني والتصلّب الأيديولوجي.

قبر المفكر الأفغاني جمال الدين الأفغاني
هل يحتاج الإصلاح الديني لـ"مارتن لوثر إسلامي"؟

وبعد أن غادر قسم كبير من "المجاهدين" أفغانستان حاملين رؤاهم الأيديولوجية وخبراتهم إلى "ساحات جهادية" أخرى؛ انقلب السحر على الساحر، وبات داعمو "الجهاد" ورعاته السابقين ضحايا له في عقر دارهم.

إنّ دعم الغرب لأنظمة الاستبداد والجماعات الإسلامية، يعني دعم الفئتين الأكثر ممانعةً ورفضاً لأيّ إصلاح دينيّ قد يطال الإسلام والأكثر ممانعةً، من ثم، لأي إصلاح سياسي. كلتاهما تمزجان الدين والسياسة لخدمة أهدافها السلطوية، كما تتلاعبان بالمسألة الطائفية للغاية ذاتها، وكل ذلك عبر تكييف كل منهما للدين ونصوصه على النحو الذي يوافق مصالحها، لذا تجدها حريصةً كلّ الحرص على انتشار أشكال التديّن الأكثر تخلّفاً وامتثاليةً وتعصّباً بهدف تسهيل عملية سوق الجموع في الوجهة المطلوبة.

هذا الأمر سيعيق لا محالة كلّ مبادرة لإصلاح إسلامي يفضي إلى "عقلانية دينية قاطعة مع إيمان العجائز المطلق والساذج"، وفق تعبير العفيف الأخضر، وهو قصد بالعقلانية الدينية "قبول مؤسسات وقيم العالم الذي نعيش فيه. وخاصة اعتناق الدين العلماني العالمي، دين حقوق الإنسان، المناسب لجميع الديانات، شرط أن تحترم قيمه الكونية"[6].

تبقى الإشارة إلى أنّ دور الغرب السلبيّ لم يقتصر على سياساته في "العالم الإسلامي"، وإنما كذلك في بعض السياسات الداخلية تجاه المسلمين، لا سيما بعد تولّي التيارات اليمينية الشعبوية السلطة في العديد من الدول الأوروبية (وسياسات دونالد ترامب في الولايات المتحدة). فهذه التيارات التي تستحوذ حالة من "الإسلاموفوبيا" على تفكيرها، تعمل على تضخيم خطر "التطرّف الإسلامي"، ليس من باب التبنّي الأيديولوجي لأفكار صموئيل هنتنغتون عن "صراع الحضارات" والمواجهة الحتمية بين الغرب والعالم الإسلامي فحسب، وإنما، وبشكل أساسي، لتبرير تطرّفها القومي وعنصريّتها تجاه اللاجئين والمهاجرين، وبخاصّة ذوي الأصول الإسلامية.

إنّ إصرار بعض القوي في "الغرب" على ربط الإسلام بالتطرّف والإرهاب والنظر إلى كل مسلم بوصفه "سلفياً جهادياً" محتملاً، يصبّ الماء في طاحون الجهاديين الفعليين، لأنّ خطاباً من هذا النوع سيدفع بالكثير من اللاجئين والمهاجرين الشباب المسلمين إلى التطرّف، نتيجة لما يولّده لديهم من إحباط وغضب، وبالتالي سيصبح هؤلاء صيداً سهلاً للتنظيمات المتطرفة، التي ستعمل على استقطابهم مستغلّة غضبهم وإحباطهم، خاصّة وأنّها تعتبر نفسها الصورة الأنقى للإسلام.

من المؤكّد أنّ كل مكسب تحقّقه قوى التطرّف الإسلامي، تنظيمياً أو جماهيرياً، يجعل من مهمّة الإصلاح الديني في الإسلام أشدّ صعوبة. غير  أنّ النهوض بهذه المهمّة وكذلك المصلحة المتأتية عنها لم تعد محصورةً بالمسلمين، وإنما بات يرتبط قسطٌ وافرُ منها منها بالغرب، ليس من باب الكفّ عن دوره السلبي المشار إليه فقط، وإنما لأنّ المشكلة تمسّه مباشرة أكان ذلك لاعتبارات عصر العولمة وتشابك مصير العالم، أو لأنّ الأمر أصبح يشكّل في أحد جوانبه شأناً غربياً داخلياً، وسيكون لنا في هذا نقاش قريب.

 

طارق عزيزة

حقوق النشر: قنطرة 2018

طارق عزيزة كاتب سوري من مواليد مدينة اللاذقية 1982، مجاز في الحقوق من جامعة دمشق – 2006. عملَ أستاذاً ومحاضراً في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى ببيروت (IFPO)، وباحثاً في مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية. له العديد من المؤلفات، منها: "جبهة النصرة لأهل الشام" 2013، و"العلمانية" 2014، وعشرات المقالات والدراسات المنشورة في مجلات وصحف ومواقع إلكترونية عربية وأجنبية.

 


[1] في هذا الإطار، يمكن الاطلاع، مثلاً، على كتاب ياسين الحافظ: "التجربة التاريخية الفييتنامية – تقييم نقدي مقارن مع التجربة التاريخية العربية".

[2] محمد عمارة: العرب والتحدّي، سلسلة عالم المعرفة (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، مايو 1980). النسخة الرقمية، ص151

[3] المصدر نفسه، ص153

[4] عزيز العظمة: الإصلاحيون النهضويون وفكرة الإصلاح في المجال الديني. مجلة المستقبل العربي (السنة 39، العدد 455، كانون الثاني/يناير 2017).

[5] عبد القادر المغربي: جمال الدين الأفغاني ذكريات وأحاديث، الطبعة الثالثة (دار المعارف، القاهرة، د.ت). ص 98

[6] العفيف الأخضر: إصلاح الإسلام، حاوره ناصر رجب ولحسن وريغ، الطبعة الثانية (منشورات الجمل، بيروت - بغداد، 2014)، ص 19

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة