معهد غوته الألماني في الخرطوم ومديره سابقا مانفريد إيڤل

غوته - منارة للعلم والإبداع في السودان

معهد غوته من المؤسسات التي عادت من جديد خلاقة لما هو إبداع وفكر وفن لتسهم في دفع مسيرة العلم والصداقة المتبادلة بين شعبي ألمانيا والسودان في مجالات الإبداع المختلفة. خواطر محمد بدوي مصطفى.

المحطة الأولى: معهد غوته بالخرطوم

يا لها من دنيا، كما يُقال (دُنيا دَبَنقَا)، إذ تتلاقى فيها سُبل البشر ومذاهبهم، وقد تتشابك فيها مصائرهم، أو ربما تتباعد سرائرهم من بعد، أو أغلب الظن ينأون بعضهم عن بعض أحيانًا وقد تجمعهم الأقدار أحيانًا أخرى، بيد أن لحظة اللقاء الموعودة حينما تتأتّى، تتعانق ساعتئذ الأرواح في وحي الإبداع وصحن الجمال بصفاء الأنفس ونقاء السرائر.

أودّ في هذا المقال أن أشير إلى بعض المحطات الخرطومية، التي لها أثر بالغ في إثراء حياتها الإبداعية والثقافية وفي إشتعال حراكها المستمر نحو الداخل والخارج على حد سواء، عبر العمل العلمي المستدام ومن بعد عبر التظاهرات الثرّة، المختلفة والمتباينة فنيًّا وعلميًا والتي تجمع كل أبناء وبنات الوطن في ظل التبادل الثقافي مع شعب ألمانيا وتحت مظلة تعددية هذا البلد المعطاء.

وحقيقة تعتبر هذه المحطة (معهد غوته بالخرطوم) هامة جدًا أولًا بالنسبة لشخصي البسيط وثانيًا ودن أدنى شك بالنسبة لشباب وشابات السودان من الذين يطمحون إلى الأفضل متابعين عن كثب كلما يحدث ويجري في فضاءات العلم والفن والإبداع في أوروبا وما حولها، ناشدين اللحاق بركب الأمم ومن قبل مجاراة شباب جيلهم فيما وراء المتوسط، أو في بعض المرّات تقديم أنفسهم وأعمالهم في التظاهرات الفنّية المختلفة التي يتيحها لهم المعهد بعلاقاته الواسعة وإمكانياته الطيبة.

 

 

ومنهم من ينشد تطوير عمله سواء في الفن أو التصوير أو الرسم أو حتى في المجال الأكاديمي عبر التلاقح والتماس الثقافي مع هذه الدولة الفتية التي ومنذ أن انبثقت ثورة ديسمبر المجيدة لم تتوقف قَطّ في دعمه وسنده حتى يعبر عقبات الحقب الثلاث التي وضعها نظام بائد ظالم عسى أن يبقى إلى يوم يبعثون في مزابل التاريخ.

وأقول في هذا الصدد أن من يتصدى ويريد أن يوثّق عموما لمسائل الإبداع وتطوير إمكانيات الشباب عبر الورش والمحاضرات العملية والعلمية، فلا بدّ من أن تكون له ها هنا وقفة حقيقة مع وفي معهد غوته الألماني بقلب الخرطوم الذي ثار وزأر في وجه ثلاثينة انقضت من عمره أضاعها من نصبوا أنفسهم حكامًا له.

بالرجوع إلى صفحات التي نجد أن هذه المؤسسة الألمانية الهامة قد غابت ومعها العشرات من المؤسسات العلمية والتعلمية العالمية لمدّة بلغت أغلب الظن عشرات السنين، ذلك يرجأ للسياسة الإنقاذية البغيضة من جهة وفي نظري أنّه تضامن من قبل هذه المؤسسات ألألمانية وغيرها ونضال مع الشعب السوداني في كفاحه المستميت ضد الظلم والإرهاب الإسلامويّ.

ونحمد الله أن معهد غوته ومع المؤسسات التي ذكرناها، قد عادت مرّة أخرى مشرقة، باهرة وخلاقة لكل ما هو إبداع وفكر وفن لتدفع من مسيرة السلام والتنمية في مجال العلم والصداقة المتبادلة بين شعبي ألمانيا والسودان في كل مجالات الإبداع المختلفة.

فمعهد غوته بالخرطوم لمن لا يعرفه تمًامًا، هو المعهد الثقافي الألماني الذي يعمل في كافة أنحاء العالم بدأب ونشاط منقطع النظير ويتبع بطبيعة الحال للحكومة الألمانية.

ومن بين نشاطات هذا المعهد أنّه يدعم تعلم اللغة الألمانية كلغة أجنبية خارج الأراضي الألمانية، كما يدعم بنشاط يحسد عليه قيم التعاون والتبادل الثقافي الدولي حيث يقدم صورة شاملة لألمانيا عن طريق معلومات عن الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية فيها ويعكس صورة البلد الذي تأسس به لشعب ألمانيا.

وتدعم برامجه الثقافية والتعليمية الحوار بين الثقافات وتتيح إمكانية المشاركة الثقافية بمفهوم ديمقراطي سامٍ تنادي بمبدأ الرأي والرأي الآخر، كما وتعزز من بناء الهياكل المدنية وتدعم الحراك العالمي. ولنذكر على سبيل المثال لا الحصر مشروع المنح الإنتاجية الذي يهدف إلى تشجيع كل المبدعين في السودان ودعم مشاريع الفن والثقافة بتمويل ودعم مالي مقدم ضمن مشروع مساحات جديدة الذي تموّله وزارة الخارجية الألمانية عبر مشاريعها التنموية العديدة كما هي الحال في الخرطوم.

المحطة الثانية: مدير المعهد السابق مانفريد إيڤل

 

مدير معهد غوته السابق في السودان مانفريد إيڤل
مدير معهد غوته السابق في السودان مانفريد إيڤل: عندما كان يدير معهد غوته في الخرطوم من 2014 إلى 2018، أسس المبنى الجديد في شارع النجومي وساعد في زيادة عدد المعلمين والدورات لفصول اللغة الألمانية التي يتهافت عليها الناس بشدة وينسد باب التسجيل فيها مع بداية كل فصل فقط بعد ثلاث ساعات من فتحه. ومن بين الأنشطة الثقافية العديدة للمعهد، قام هو وفريقه بترويج العديد من المشاريع المشتركة للفنانين الألمان والسودانيين.

 

لقد صارت الدنيا يا سادتي حقيقة كقرية صغيرة، يلتقي فيها الصغير والكبير، البعيد والقريب، ابن الشمال والجنوب، وكم كانت تلك صدفة جميلة أني التقيت في إحدى زياراتي للخرطوم ولمعهد غوته بالذات، بمديره السيد مانفريد إيڤل، هذا الرجل الألماني، مشرق الوجه، بهي الطلّة، كريم الخلق وبشوش ومحب لثقافتنا وحضارتنا.

لقد ترعرع إيڤل بنواحي مدينة رافنسبورغ التي لا تبعد من مدينتي التي أسكن بها في منطقة الجنوب الألماني إلا بضع عشرات الكيلومترات.

لقد أسرّ لي في تلك الزيارة العاجلة والتي كنت فيها بصحبة أسرتي أنه كان يعرف بعض نشاطاتي الأدبية والفنية في منطقة بحيرة كونستانس، مدينة تعرف بدرة الجنوب، وكم سعدت لسماع ذلك وانطلقت كلماتنا تتلاقى في سماء الخرطوم في وحي الفن والإبداع.

وقد أدهشتني آنذاك أحاديثه ومشاريعه الكثيرة والمميزة بشدّة! وقلت في نفسي، تلك سُنة الحياة، فهكذا تلتقي مصائر الناس في هذه الدنيا الدوّارة وتنعرج ثانية لتتلاشى في أرض الله الواسعة وإن أرادت لها الأقدار أن تجتمع فسيكون كذلك.

على كل ربطتني منذ تلك اللحظة علاقة طيبة مع هذا الرجل وأودّ من خلال هذا المقال أن أسلط الضوء على بعض ما قام به في فترة إدارته للمعهد.

لقد عمل مانفريد إيڤل كمدير سابق لمعهد غوته الألماني في تنزانيا وسوريا والمغرب والسودان. درس أولاً الأدب واللغويات الإنكليزية والألمانية في جامعات في ألمانيا وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة، ثم تابع دورات الدراسات العليا في تعليم الكبار ودراسات التنمية.

خلال سنوات عمله الأولى في معهد غوته بدمشق في الثمانينيات، درس اللغة العربية، والتي أصبحت مفيدة جدًا لإقامته اللاحقة في الرباط والخرطوم.

عندما كان يدير معهد غوته في الخرطوم من 2014 إلى 2018، أسس المبنى الجديد في شارع النجومي وساعد في زيادة عدد المعلمين والدورات لفصول اللغة الألمانية التي يتهافت عليها الناس بشدة وينسد باب التسجيل فيها مع بداية كل فصل فقط بعد ثلاث ساعات من فتحه.

ومن بين الأنشطة الثقافية العديدة للمعهد، قام هو وفريقه بترويج العديد من المشاريع المشتركة للفنانين الألمان والسودانيين. وكان من بينها مهرجان سما للموسيقى منذ عام 2015، وعدد من ورش التصوير والمعارض بعنوان MUGRAN FOTO WEEK، وعروض أفلام ومحاضرات في علم الآثار أو في الأدب، بالإضافة إلى سلسلة فيديوهات موسيقية ناجحة لأغاني العديد من المبدعين في السودان.

 

 

منذ تقاعده من عمله بمعهد غوته، استغل مانفريد إيڤل بعض وقته لإجراء المزيد من الدراسات حول التاريخ الثقافي للسودان.

بناءً على هذه الدراسات، كتب لمحات تاريخية حول موضوعات مثل الموسيقى والأدب والتصوير والسينما والهندسة المعمارية والفنون البصرية في السودان ووثقها بصحائف ويكيبيديا الإنكليزية. شارك من خلال هذا التوثيق حتى الآن بأكثر من 40 مقالة عن السودان، ويأمل في نشر المعرفة حول ثقافة السودان بين القراء الناطقين باللغة الإنكليزية، مضيفًا معرفته الشخصية إلى المصادر المتاحة في المواقع أو المجلات أو الكتب.

بشكل عام، وجد أن الأدبيات المتوفرة عن السودان باللغة الإنكليزية أو اللغات الأوروبية الأخرى غالبًا ما تتعامل مع الدراسات التاريخية الأثرية أو مع التطورات السياسية المعاصرة في السودان.

بقدر أهمية هذه الموضوعات العريضة للمعرفة العامة عن البلاد، فإنه يعتقد أن هناك نقصًا في الدراسات حول الثقافة الشعبية والمعاصرة في السودان. كما كتب أحمد سيكينجا، وهو أكاديمي سوداني في الولايات المتحدة، في مقالته عام 2011 بعنوان "تاريخ قصير للموسيقى الشعبية السودانية: "في أدبيات نهوض السودان الحديث، هناك هيمنة للتحليل السياسي وغياب مقارن للتاريخ الاجتماعي والثقافي. وقد حظيت موضوعات مثل الثقافة الشعبية والموسيقى والرقص والملابس باهتمام ضئيل من المؤرخين. تركت لعالم الأنثروبولوجيا وآخرين ممن كانت أبحاثهم في المناطق الريفية. ومع ذلك، فإن مثل هذه الأنشطة هي مركزية لظهور ثقافة شعبية مشتركة في المراكز الحضرية في البلاد. هذه ثقافة تنبع من حياة المجموعات الهامشية، على سبيل المثال والدلائل تتعلق بفئة العمال والفلاحين والعبيد والنساء، حيث يتبدى اندماج مجموعة كبيرة ومتنوعة من التأثيرات المحلية والخارجية ".

من أجل سد هذه الفجوة بالمعرفة، يرحب أيضًا بجهود مبادرة ويكيبيديا السودانية ومحررين آخرين يكتبون باللغة العربية أو الإنكليزية من منظور سوداني.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة