مقابل انتقادها لروسيا وتركيا والصين

لماذا تصمت أوروبا عن انتهاكات حقوق الإنسان في شمال إفريقيا؟

لطالما كان الصوت الأوروبي قويا ضد ما يراه انتهاكات روسية أو صينية أو تركية لحقوق الإنسان. لكن ماذا عن دول عربية حليفة للاتحاد الأوروبي تقع في مراتب متراجعة جدا على كثير من المؤشرات الحقوقية؟ وتحديدا دول الشمال الإفريقي العربية الشريكة لأوروبا. الصحفي إسماعيل عزام يستقصي الخلفيات لموقع قنطرة.

توتر أوروبي-روسي على خلفية قضية المعارض الروسي أليكسي نافالني منذ إعلان الاتحاد الأوروبي عقوبات على مقرّبين من فلاديمير بوتين، بعد تأكيد مختبرات وجود تسميم متعمد للمعارض. التوتر اشتد بعد اعتقال نافالني، ووصل حدّ عقوبات متبادلة بين الطرفين وطرد موسكو لسفراء أوروبيين وتلويح هذه الأخيرة بقطع علاقاتها كليةً مع الاتحاد الأوروبي إن ذهب قدماً في خططه بفرض عقوبات أكثر صرامة تصل حدّ تجميد أصول مسؤولين روس.

ضجة دول الاتحاد الأوروبي، خاصة فرنسا وألمانيا، حول المعارض الروسي تظهر محمودة نظراً لأن الأمر يتعلقّ بتضييق رسمي في روسيا على أشهر معارضي بوتين. لطالما كان صوت دول الاتحاد الأوروبي قوّيا عندما يتعلّق الأمر بانتهاكات روسية لحقوق الإنسان، وكذلك الأمر يتعلّق بتركيا التي كان من أسباب تعليق دخولها للاتحاد القاري وضعها الداخلي في مجال حقوق الإنسان، ناهيك عن بلدان أخرى كالصين. لكن ماذا عن الحلفاء العرب للاتحاد الأوروبي الذين يوجدون في رتب جد متراجعة على الكثير من المؤشرات الحقوقية، وتحديدا شركاؤها في شمال إفريقيا؟

في الجزائر والمغرب، هناك صحفيون ونشطاء حقوق إنسان معتقلون منذ مدة، وهناك موجة تضييق تختلف حدتها بين الجارين، لكنها موجودة وباتت واضحة في الأشهر الماضية. في مصر هناك آلاف السجناء السياسيين وحالات اختفاء قسري وتعذيب فضلاً عن تطبيق الإعدام في حالات لم تحصل حتى على المحاكمة العادلة، وحدها تونس التي حققت تقدما حقوقياً وإن كانت تعاني في مجالات أخرى كعدم الاستقرار السياسي وارتفاع أرقام البطالة.

 

 

ازدواجية معايير؟

قبل أسابيع، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واضحاً تماماً عندما أعلن بملء الفم في مؤتمر صحفي (ديسمبر / كانون الأول 2020) بباريس مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن "بيع الأسلحة الفرنسية للقاهرة لا يعدّ مشروطاً بتحسين هذه الأخيرة لوضعها في حقوق الإنسان"، رغم محاولته التأكيد أنه أثار مع السيسي هذا الملف.

"ما قاله ماكرون يقوله كل الحكام الأوروبيين سواء أكان بشكل صريح أم بشكل عملي"، يقول المعارض والدبلوماسي الجزائري السابق محمد العربي زيتوت لموقع قنطرة، مضيفاً أن هؤلاء الحكام "يريدون للمنطقة العربية أن تبقى راكعة، سواء أكان ذلك بالاستعمار المباشر، أو باستبداله بنخب حاكمة تتلقى الدعم الأوروبي لأجل ضبط المنطقة"، معطيا المثال بموقف الغرب من الانقلاب في مصر عام 2013.

المعطى ذاته يعبّر عنه أبو بكر الجامعي، أستاذ جامعي وأحد رواد الصحافة المستقلة في المغرب، إذ يشير في حديث مع قنطرة إلى أن بلدان شمال إفريقيا، التي يعتبرها الاتحاد الأوروبي منطقة استراتيجية، تصوغ سياسات تتماشى مع ما تريده الدول الأوروبية، عكس تركيا وروسيا، ما يبيّن أن استخدام حقوق الإنسان يتم كـ"سلاح وبشكل نفعي".

ويضيف الجامعي أن الحكام في شمال إفريقيا يدركون هذه المعادلة جيدا ويفتحون أسواق بلدانهم لأوروبا، معطياً المثال بصفقة القطار السريع بين المغرب وفرنسا رغم أن عدم وجود حاجة مغربية شديدة له، شأنه شأن بيع الأسلحة، ما دامت هذه "الصفقات تعود بالنفع الاقتصادي على باريس وتُستخدم من طرف حكام قصر الإليزيه كورقة انتخابية داخلية في مجال توفير فرص العمل".

من ناحيته، يعطي زيتوت جانباً آخر: "النظرة الغربية للمنطقة لا تزال تمتح [تستقي] من حمولة تاريخية تعود لفترة الصراع المسلح في قرون غابرة، والهدف إضعاف المنطقة عبر دعم أنظمة غير ديمقراطية، وخلق استقرار استعماري يجعل المطالب الشعبية متوقفة عند ما هو بيولوجي كتوفير الطعام".

 

 

أليست الدول الأوروبية مكبّلة؟

غير أن هناك تحديات تحتم على الدول الأوروبية التعاون مع جيرانها في الجنوب المتوسطي، على رأسها معضلة الهجرة غير النظامية، إذ تحوّلت جلّ دول شمال إفريقيا إلى دركي لمنع عشرات الآلاف من محاولة التسلّل إلى أوروبا. ويدفع الاتحاد الأوروبي لأجل ذلك فاتورة باهظة. وكمثال على ذلك، فتمويلاته لشمال إفريقيا من الصندوق الائتماني لحالات الطوارئ الذي تم إنشاؤه عام 2015 تصل إلى 807 مليون يورو، دون احتساب الدعم الثنائي بين الدول.

كما يوجد كذلك ملف محاربة الإرهاب، إذ يسود تعاون بين ضفتي المتوسط منذ مدة خصوصا إثر معاناة أوروبا من هجمات إرهابية نفذها مواطنون أو من أصول شمال-إفريقية. ويؤكد تحليل للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن الدول الأوروبية تعمل عن قرب مع المغرب وتونس لمحاربة الإرهاب، وتوّفر لها لأجل ذلك التدريب والأدوات، خاصة مع أداء جيد للدولتين الإفريقيتين في هذا المجال، غير أن هناك ملاحظات كثيرة عليهما، سواء "نظام سياسي قمعي" في المغرب و"بطء في إصلاح نظام الشرطة" في تونس، وكذلك معاناتهما من مشاكل في مواجهة التطرّف، بحسب التحليل.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة