ويرى الجامعي أن البلدان الأوروبية تحتاج فعلاً لبلدان شمال إفريقيا لمحاربة الإرهاب، وهو ما تستفيد منه أنظمة المنطقة لخلق تواطؤ غربي بالصمت في مجال حقوق الإنسان. غير أن المتحدث يرى أن ملف الهجرة "يمثل فشلاً لهذه الأنظمة السلطوية"، ويؤكد أنها "لم تتمكن من إرساء مؤسسات كافية للنمو الاقتصادي المستدام، ما يعني بطالة أكبر وهجرة أكبر نحو أوروبا"، بل إن بعض الدول تسهّل أحياناً هجرة مواطنيها للتنفيس عن الضغط الاجتماعي الداخلي مقابل التشدد في منع عبور بقية الجنسيات.

هل كل المؤشرات سوداء؟

 

القمة العربية الأوروبية في شرم الشيخ 2019 – مصر.
هل الدول الأوروبية مكبّلة أم أنها تستغل ملف حقوق الإنسان؟ يرى محللون أن "بلدان شمال إفريقيا تصوغ سياسات تتماشى مع ما تريده الدول الأوروبية، على عكس تركيا وروسيا، ما يبيّن أن استخدام حقوق الإنسان يتم كسلاح وبشكل نفعي، غير أن هناك تحديات أمام الدول الأوروبية على رأسها معضلة الهجرة غير النظامية، إذ تحوّلت جلّ دول شمال إفريقيا إلى دركي لمنع عشرات الآلاف من محاولة التسلّل إلى أوروبا، ويدفع الاتحاد الأوروبي لأجل ذلك فاتورة باهظة مثل تمويلاته لشمال إفريقيا، كما يوجد كذلك ملف محاربة الإرهاب، إذ يسود تعاون بين ضفتي المتوسط منذ مدة خصوصا إثر معاناة أوروبا من هجمات إرهابية نفذها مواطنون أو من أصول شمال-إفريقية. لكن في المقابل ومن ناحية أخرى فإن ضغط أوروبا على النخب الحاكمة لاحترام حقوق الإنسان سيساهم في التغلب على مشاكل كالهجرة غير الشرعية والإرهاب والعنف الداخلي وسيكون لصالح بلدان المنطقة".

 

لا يمكن تعميم وجود تواطؤ غربي مع الدول الناطقة بالعربية، ومنها دول الجنوب المتوسطي. "من باب أخلاقي، لا يمكن الحكم على الدول الغربية من خلال حكوماتها، فهناك ديمقراطية داخلية وصحافة حرة ومنظمات غير حكومية قوية"، يقول الجامعي، مشيراً إلى ضرورة استمرار النشطاء في شمال إفريقيا في التنسيق مع المجتمع المدني الغربي حتى يزداد الضغط على الحكومات الغربية.

ويتابع الجامعي: "على الرأي العام الأوروبي أن يكون واعياً بازدواجية خطاب حكوماته، فالسماح للأنظمة السلطوية بانتهاك حقوق الإنسان يفاقم حالة الاحتقان في بلدانها، ما يؤدي إلى تداعيات سلبية تصل حتى أوروبا".

لكن ألا يمكن الاعتماد مستقبلاً على القادة السياسيين؟ يجيب زيتوت أن الأمر يشبه "من يعتقد أن السراب سيتحول إلى ماء"، فحتى إذا قرّروا مواجهة انتهاكات معيّنة، تكون جهودهم موجهة لجزء من المستضعفين في المنطقة الذين يتبنون الأفكار الغربية، وفق رأيه.

خيار الحكومات الأوروبية بـ"التواطؤ الصامت يبقى بحسب رأيه "خياراً قاصراً، لأن الدفاع عن حقوق الإنسان يجب أن يكون المبدأ حتى ولو أدى ذلك إلى التصادم مع الأنظمة السلطوية". ويتابع أن "ضغط أوروبا على النخب الحاكمة لاحترام حقوق الإنسان سيساهم في التغلب على مشاكل كالهجرة غير الشرعية والإرهاب والعنف الداخلي وسيكون لصالح بلدان المنطقة"، خاصة مع "اعتراف بعض الأنظمة بمنظومة الفساد داخلها كما يجري في محاكمات صراع الأجنحة بالجزائر حالياً".

 

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
ازدواجية معايير؟ كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واضحاً تماماً عندما أعلن بملء الفم في مؤتمر صحفي (ديسمبر / كانون الأول 2020) بباريس مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن "بيع الأسلحة الفرنسية للقاهرة لا يعدّ مشروطاً بتحسين هذه الأخيرة لوضعها في حقوق الإنسان"، رغم محاولته التأكيد أنه أثار مع السيسي هذا الملف. "ما قاله ماكرون يقوله كل الحكام الأوروبيين سواء أكان بشكل صريح أو بشكل عملي"، كما يقول معارض ودبلوماسي جزائري سابق، معطيا المثال بموقف الغرب من الانقلاب في مصر عام 2013. ويدرك الاتحاد الأوروبي أن أكبر ضريبة يؤديها جرّاء ما يصفه المتابعون بـ"ازدواجية المعايير" هو تقهقر صورته الحقوقية خاصة مع الانتقادات الكثيرة الموجهة إليه في طريقة التعامل مع المهاجرين غير النظاميين كما يحدث على حدود تركيا-اليونان، لكن في الآن ذاته، توجد مؤشرات تحمل القليل من الوردية، مثل تعليق عدة بلدان كألمانيا وبلجيكا وإيطاليا صفقات سلاحها أو جزءا منها للسعودية، وكذلك ما يخص باستقلال السلطة القضائية الأوروبية وتسجيلها لعدة مواقف ضد سياسة الاتحاد، كما ينقل الصحفي إسماعيل عزام.

 

ويدرك الاتحاد الأوروبي أن أكبر ضريبة يؤديها جرّاء ما يصفه المتابعون بـ"ازدواجية المعايير" هو تقهقر صورته الحقوقية خاصة مع الانتقادات الكثيرة الموجهة إليه في طريقة التعامل مع المهاجرين غير النظاميين كما يحدث على حدود تركيا-اليونان، لكن في الآن ذاته، توجد مؤشرات تحمل القليل من الوردية،  مثل تعليق عدة بلدان كألمانيا وبلجيكا وإيطاليا صفقات سلاحها أو جزءا منها للسعودية، وكذلك ما يخص باستقلال السلطة القضائية الأوروبية وتسجيلها لعدة مواقف ضد سياسة الاتحاد، وذلك في وقت تعلن فيه إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن أن احترام حقوق الإنسان سيكون أولوية في سياسة أمريكا الخارجية، وهي دعوة تثير التحفظ ما دامت الكثير من التراجعات الحقوقية في المنطقة العربية، ما بعد "الربيع العربي" عموما قد بدأت في عهد الديمقراطي باراك أوباما.

 

 

إسماعيل عزام

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

..............................

طالع أيضا

"سبب تخلف المسلمين ليس الإسلام ولا الاستعمار"، بل:

"سلطوية تحالف مشؤوم بين رجال الدين والدولة"

..............................

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة