يأتي شمس الدين مرزوق مرَّتين أو ثلاث مرَّات في الأسبوع إلى المقبرة ليتأكَّد من إنَّ كلَّ شيء على ما يرام هناك. "البعض قالوا إنَّني مجنون"، مثلما يقول وهو يهز كتفيه، ويستمر في التجوُّل من قبر إلى قبر آخر. كثيرًا ما يفرك ظهره بيده؛ إذ إنَّ الجثث الكثيرة في هذا العام [2018] تسبب له أيضًا متاعبَ جسدية.
 
يقول شمس الدين مرزوق بكلِّ صراحة إنَّ المسؤولية عن سوء حظّ هؤلاء الأشخاص تقع على عاتق أوروبا وسياستها الحدودية. فبدلًا من الاستثمار في أفريقيا وتقديم تسهيلات لمنح تأشيرات السفر، يتم دفع الناس إلى ركوب القوارب. لقد خاطر أيضًا ابنان من أبناء شمس الدين مرزوق بالركوب عبر البحر إلى أوروبا.
 

"مقبرة الغرباء" في تونس لجثث اللاجئين المجهولين - شمس الدين مرزوق متطوع تونسي لدفن ضحايا اللجوء إلى أوروبا.  Foto: DW
المثوى الأخير للاجئين غير الناجين من عبور البحر إلى أوروبا: في العشرة أعوام السابقة قام شمس الدين مرزوق بدفن أكثر من ثلاثمائة وخمسين جثة. وفي عام 2017 كان عددهم أربعًا وسبعين جثة. تقع مدينة جرجيس على الساحل الجنوبي التونسي على بعد نحو خمسين كيلومترًا من الحدود التونسية الليبية. ومن هناك تبحر بانتظام قوارب اللاجئين من أجل الوصول إلى أوروبا. وبشكل منتظم تواجه سفنُ الموتى - مثلما يسميها شمس الدين مرزوق - مخاطرَ ومشقات في عرض البحر، أو تغرق أو تنقلب.
"ربما يكون الموتى قد أنقذوهم من الموت"، مثلما يقول، مع أنَّه كان في الواقع دائمًا ضدَّ هذه الخطوة. "لقد صبروا سبع سنوات منذ الثورة - من دون عمل ومن دون آفاق". واليوم يتفهَّم - بحسب تعبيره - قرارهم هذا بشكل أفضل قليلًا، وذلك لأنَّ الشباب في تونس يعتبرون في الواقع مثل الميِّتين: "هكذا فهم يموتون بكرامة في البحر - أو يصلون إلى أوروبا، حيث توجد على الأقل ديمقراطية".
 
لقد تم حفر قبر آخر، سيكون القبر الأخير في هذه المنطقة، إذ لم تعد توجد هنا أية مساحة. وبما أنَّ الهلال الأحمر لا يتلقَّى أي دعم من الدولة، فقد بدأت الآن منظمة الهلال الأحمر التونسي بجمع التبرُّعات من أجل شراء أرض مقبرة جديدة وشراء سيَّارة لنقل جثامين الموتى، لكي لا يتم نقل الموتى في شاحنة بيك أب.
 
 
وإذا لم يتم دعم هذا المشروع، فعندئذ "سنقوم في المستقبل بجمع الخشب، لنحرق الجثث ونضع الرماد في أوعية ونرميها مرة أخرى في البحر". هذا هو الحلُّ الوحيد إذا لم يعد يوجد على الأرض مَنْ يمنح الموتى الاحترام، مثلما يقول شمس الدين مرزوق: فمسلسل الموت في البحر الأبيض المتوسط ​​لم ينتهِ بعد.
 
 
 
ساره ميرش
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: دويتشه فيله / موقع قنطرة 2018
 
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.