مقتل طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني في مصر

حالة كلاسيكية من حالات لوم الضحية وتبرئة الأنظمة السلطوية

على خلفية مقتل طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني الذي عُثِر على جثته مشوهة وعليها آثار تعذيب في القاهرة في 03 / 02 / 2016، ينتقد أحدُ مشرفيه -وهو باحث العلوم السياسية في جامعة لندن اللبناني الفرنسي جيلبير الأشقر- بعضَ الصحفيين الأوروبيين قائلاً إن من المشين للغاية أن يلقوا اللوم على مشرفيه الأكاديميين، ويتساءل: "ألا يكفينا المنظر المقرف للساسة الأوروبيين وهم يصطفون من أجل زيارة الطواغيت؟" ويضيف: "بدلاً من تبرئة الأنظمة الدكتاتورية على الصحفيين الأوروبيين الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية والعدالة".

لـمَّحت عدة مقالات في الصحافة الإيطالية، والتي كتبها صحفيون وآخرون لا يمتلكون خبرة أو معرفة بحثية بشأن الشرق الأوسط، إلى أن المشرفين على رسالة جوليو ريجيني يتحملون مسؤولية إرساله إلى مكان خطر، زاعمين أنهم كانوا على دراية بأنهم يعرضون حياته للخطر. هذه مزاعم عارية عن الصحة وأولئك الذين يطلقونها لامسؤولون، بل وخسيسون.

هم لامسؤولون لأنه لا يمكن إطلاق اتهام جاد كهذا - بإرسال شخص ما إلى حتفه - دون أن يكونوا على دراية تامة بالموقف ودون أن تكون لديهم أدلة قاطعة. وحتى إن كنت تعتقد أنك تمتلك هذه الأدلة؛ إذا لم تكن من معلقي المشانق، بل شخصاً يحترم قواعد العدالة الأساسية في ظل حكم القانون، والذي ينص على أن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته، فإنك ستطرح أسئلة بدل من إطلاق اتهامات مباشرة، وذلك طالما لم تثبت الإدانة رسمياً.

كما أن من يتهمون المشرفين خسيسون أيضاً لأنهم لا يتحلون بمشاعر التعاطف، فهم لا يأخذون في عين الاعتبار مشاعر المشرفين، الذين واجهتهم كارثة فقدان أحد طلابهم - شخص عرفوه بشكل جيد وتحدثوا معه لساعات طويلة عى مدار عدة أعوام. وبدلاً من ذلك، فإنهم يحملون المشرفين مسؤولية مقتل ريغيني. وبذلك، فإنهم يتصرفون كصحفيين يتهمون علناً والدي طفل بالتسبب في موت طفلهم دون أي معلومات حقيقية حول ما حدث ودون أي إثبات رسمي للتهم.

طالب الدكتوراه الإيطالي بجامعة كامبريدج جوليو ريجيني
تصاعد الغضب إثر العثور على طالب الدكتوراه الإيطالي بجامعة كامبريدج جوليو ريجيني مقتولا في القاهرة وعلى جثته آثار تعذيب. وفيما نشرت وسائل الإعلام تفاصيل مروعة عما تعرض له ريجيني ووجهت أصابع الاتهام إلى الاستخبارات المصرية، ورفضت السلطات المصرية الاتهامات الإعلامية. واختفى جوليو ريجيني في القاهرة في 25 / 01 / 2016 وعُثِرَ عليه مقتولا في 03 / 02 / 2016. وأظهر تشريح إيطالي للجثة في أعقاب وصول جثمانه إلى روما أنه قتل إثر تعرضه لضربة قوية في أسفل جمجمته وإصابته بكسور عدة في كافة أنحاء جسمه.

جهل تام بظروف البحث الأكاديمي في مصر

وفي حالة جوليو ريجيني خصوصاً، فإن هذه الاتهامات أكثر لامسؤولية وخسة، وذلك لأنها مبنية على جهل تام بظروف البحث الأكاديمي في مصر، وبالأخص البحث الذي كان ريجيني يقوم به هناك. لقد شاءت الصدف أنني أعرف جوليو بشكل شخصي، فبعد إنهائه رسالة الماجستير في جامعة كامبريدج، قام بالاتصال بي عام 2012 لتحضير رسالة الدكتوراه تحت إشرافي. بعدها قمنا بتبادل رسائل البريد الإلكتروني وتحدثنا حول مقترح البحث الذي تقدم به. كان جوليو يريد دراسة الحركة العمالية المستقلة الجديدة في مصر، وقد وجدت ذك مشروعاً منطقياً للغاية، خاصة وأنه يمتلك معلومات جيدة عنه مسبقاً. بعد ذلك، قام جوليو بتقديم طلب للانخراط في برنامج الدكتوراه في جامعتي، وطلب أن أقوم بالإشراف على رسالته، وقد قبلت ذلك.

كان ذلك في مطلع عام 2013. وفي يونيو/ حزيران من نفس العام، كتب جوليو لي بأنه لم يتمكن من تأمين التمويل اللازم لدراسة الدكتوراه، ما سيضطره إلى تعليق الدراسة. لقد كان يكتب من القاهرة، حيث كان يعمل في وزارة الصناعة بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو). لم "يُرسل" جوليو إلى بلد مجهول ليقوم بإجراء بحث طلبه منه مشرفوه، كما كان العديد من المعلقين الصحفيين الرخيصين يعتقدون، بل كان مصمماً على إجراء بحث حول موضوع كان قد جمع معطيات عنه في السابق، في بلد كان يعرفه بشكل جيد وعاش فيه لفترة من الزمن قبل أن يعيد التسجيل لدراسة الدكتوراه عام 2014، في جامعة كامبريدج التي تخرج منها سابقاً.

وزير الخارجية الإيطالي باولو جينتيلوني
وزير الخارجية الإيطالي باولو جينتيلوني: قالت وزارة الخارجية الإيطالية إن مصر تتعاون مع فريق إيطالي من المحققين وخبراء في الطب الشرعي تم إرسالهم إلى القاهرة. وأضافت: "نريد أن يتم تحديد المسؤولين فعلا وسوقهم أمام القضاء". ونقلت صحيفة أن طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني تعرض لضرب ممنهج، كما اُقتلعت أظافر يديه وقدميه وكأن "فرقة الموت" التي قتلته كانت تعتقد أنه جاسوساً. وكان ريجيني يعد في مصر أطروحة دكتوراه حول الحركات العمالية في مصر. وتبين بعد مقتله أنه كان يكتب أيضا تحت اسم مستعار، لصحيفة "إيل مانيفستو" الشيوعية، ما أثار تكهنات حول احتمال أن تكون صلاته بشخصيات من المعارضة المحلية تسببت في استهدافه. وتصاعد غضب المسؤولين الإيطاليين إزاء مقتل ريجيني، بعد إبلاغهم رسميا في البدء أن الطالب قتل في حادث مرور.

على الصحفيين الأوروبيين الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية والعدالة

أعرف بشكل شخصي أيضاً طلاباً آخرين في عدد من الجامعات عملوا أو ما زالوا يعملون على رسائل الدكتوراه الخاصة بهم والمتعلقة بالحركة العمالية في مصر. هذا يعني أن أبحاث جوليو ريجيني لم تكن أمراً استثنائياً. لم يكن الأمر وكأنه كان يجري أبحاثاً حول تنظيم "داعش" في مناطق يتحكم بها هذا التنظيم! أضف إلى ذلك أن علاقة المشرفين بطلاب الدكتوراه هي علاقة مشرف أكاديمي بباحث بالغ، ولا يمكن مقارنتها بعلاقة المعلم بتلميذ في المدرسة يحتاج إلى تفويض من والديه كي يشارك في رحلة مدرسية. علاوة على ذلك، فإن المشرفين لا يتحكمون بحركة طلابهم ولا يتعقبون الأماكن التي يزورونها عبر هواتفهم الذكية! إذاً، مهما كانت الظروف التي اغتيل فيها جوليو، من المشين للغاية إلقاء اللوم على مشرفيه.

جنود مصريون
مصر في فبراير 2016: (111 حالة قتل و155 إخفاء قسري) رغم قرار إغلاقه من قبل السلطات، أصدر مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف تقريراً عن التعذيب في شهر فبراير/شباط 2016 في مصر ذكر فيه بحدوث 111 حالة قتل، من بينها 65 حالة تصفية، و35 حالة قتل نتيجة قصف جوي، و8 حالات قتل في مشاجرات مع أمناء الشرطة، وحالة قتل نتيجة التعذيب، وحالة إلقاء من أعلى بناية، وحالة قتل لطفل تأثرا بشظايا قذيفة. كما وثق التقرير 8 حالات وفاة داخل أماكن الاحتجاز، من بينها ثلاث حالات لأسباب غير معلومة، وحالتيْ إهمال طبي، وحالتيْ تعذيب، وحالة اختناق بالغاز. وعن حالات التعذيب، وثق التقرير 77 حالة تعذيب، من بينها 51 حالة تعذيب فردي، و14 حالة تعذيب جماعي، و12 حالة تكدير جماعي. كما وثق التقرير، 44 حالة إهمال طبي في أماكن الاحتجاز، من بينها 9 حالات إصابة بالسرطان، و155 حالة اختفاء قسري، ظهر منها 44 حالة فقط، و43 حالة عنف شرطي، وحالة اعتداء على وكيل نيابة عامل.

بالإضافة إلى ذلك، وبما أن جوليو كان شاباً ذكياً في السابعة والعشرين من العمر، فإن تلك الاتهامات لا تفضي إلا إلى لومه على اغتياله. إذا كان جوليو يخاطر بحياته طوعاً وعن معرفة تامة، حتى وإن طُلب منه ذلك، فإن هذا سيعني أنه، كشخص بالغ، يتحمل مسؤولية موته. هذه حالة كلاسيكية من حالات لوم الضحية. لقد قرأت عبارات لا يصدقها عقل في الصحافة الإيطالية، كتبها أشخاص جاهلون تماماً بموضوع البحث الذي كان جوليو يجريه، تزعم أن البحث الذي كان يجريه ربما كان مرتبطاً مباشرة بأجهزة الأمن المصرية.

هذا أمر مشين! إذ لا يكفينا المنظر المقرف لساسة الحكومات الأوروبية وهم يتصرفون كبائعين عديمي الضمير ويصطفون من أجل زيارة الطواغيت. بدلاً من تبرئة هذه الأنظمة الدكتاتورية نفسها، على الصحفيين الأوروبيين الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية والعدالة، والتي تزعم أوروبا أنها بنيت عليها.

 

جيلبير الأشقر​

ترجمة: ياسر أبو معيلق

حقوق النشر: أوبين ديموكراسي / موقع قنطرة 2016 ar.qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.