في فبراير/شباط 2021 أصبحت البحرين واحدة من أوائل الدول في العالم التي أنشأت جواز سفر متعلق بلقاح كورونا.
مكافحة التردد في تلقي اللقاح معركة عربية جديدة ضد كورونا

الشائعات وقود الشك في لقاح كورونا في الشرق الاوسط

رغم حصد كورونا للأرواح بالمنطقة العربية ونقص الإمكانيات تردد كثيرون هناك في تلقي التطعيم ضد الفيروس بسبب شائعات وأخبار مضللة. تساؤلات عن سبب عدم ثقة البعض في اللقاح. كاثرين شاير والتفاصيل.

حجز محمود وهو موظف حكومي عراقي موعدا ليتلقي جرعة لقاح فيروس كورونا في بغداد. ولم يكن من الصعب على هذا الشاب العراقي البالغ من العمر 34 عاما أن يسجل اسمه للحصول على لقاح أسترازينيكا.

بيد أنه في نهاية المطاف لم يذهب للمستشفى لتلقى جرعة اللقاح، قائلا إن "الأوروبيين قالوا إن هذا اللقاح ليس آمنا".

وفضل محمود عدم ذكره اسمه بالكامل لأنه موظف حكومي وليس مخولا له الحديث إلى وسائل الإعلام. وليس هذا السبب الوحيد وراء قرار هذا الشاب العراقي رفض الحصول على لقاح كورونا فهناك أسباب أخرى مشكوك في صحتها إلى حد ما.

وفي حوار مع دويتشه فيله أفصح محمود عن بعض هذه الأسباب بقوله إن "اللقاح جاء إلى العراق بسرعة كبيرة. وهذا أمر بالمستغرب إذ أنه في العراق مثل هذه الأمور لا يمكن الحصول عليها من دون فساد أو دفع أموال لشخص ما، لكن اللقاح تم توفيره بالمجان ومتاح لأي شخص. وهذا أمر يثير الشكوك."

 

 

ناقوس خطر

ورغم أن محمود متعلم وتوفي ثلاثة من معارفه جراء كورونا، إلا أن حالته يُطلق عليها "التردد في تلقي اللقاح".

والشخص المتردد في الحصول على اللقاح يختلف عن الشخص المناهض للقاح إذ أن خبراء اللقاحات يحددون مصطلح "التردد في الحصول على اللقاح" بأنه "التأخير في قبوله أو رفض الحصول عليه رغم توافره."

وقد أدرجت منظمة الصحة العالمية في عام 2019 التردد في تلقي اللقاحات باعتباره واحدا من أهم عشرة تهديدات للصحة العالمية.

ومؤخرا فإن خبراء جمع البيانات قالوا إن فكرة "مناعة القطيع" ضد فيروس كورونا معرضة للخطر بسبب التردد في تلقي اللقاحات إذ أن مناعة القطيع تتطلب حملات تطعيم تسير بشكل سريع.

وتشير استطلاعات أن محمود ليس الوحيد في الشرق الأوسط تندرج حالته تحت ما يُعرف بالتردد في تلقي لقاح كورونا.

 

لبنانيتان مرتديتان أقنعة واقية من كورونا في العاصمة بيروت - لبنان.  (photo: Joseph Eid/AFP/Getty Images)
تردد في تلقي اللقاح: التردد في قبول لقاحات كورونا في بلدان الشرق الأوسط يستند جزئيا إلى مخاوف السلامة التي تتشابه في كثير من الدول وهي الخوف من الآثار الجانبية وأيضا القلق حيال السرعة التي تم خلالها تطوير اللقاحات.

 

فقد ذكرت دراسة نُشرت في يناير / كانون الثاني 2021 في مجلة "فاكسينس" (Vaccines) التي تراقب مدى قبول حملات التطعيم حول العالم، إن الشرق الأوسط "من بين المناطق التي سجلت أدنى معدل في قبول اللقاجات حول العالم".

وأعرب الباحثون عن قلقهم إزاء بلوغ معدل قبول التطعيم في الكويت نسبة 23 بالمائة والأردن نسبة 28 بالمائة.

"ليس الآن"

وينتشر في الشرق الأوسط قصص مماثلة تتعلق بشيوع حالات التردد في تلقي لقاحات كورونا. ففي العراق، كشفت دراسة قام به عدد من الباحثين المحليين في يناير / كانون الثاني 2021 بأن أغلب من شملهم الاستطلاع والبالغ عددهم 1069 شخصا يعتزمون الحصول على لقاح كورونا في نهاية المطاف.

لكن الاستطلاع أشار إلى أن من يترددون في الحصول على اللقاح مثل العراقي محمود يشكلون ما يقرب من الثلثين أي نسبة 64 بالمائة وقالوا إنهم يعتزمون الانتظار قبل تلقي على اللقاح.

وفي مصر، كشف استطلاع للرأي أُجرى في يناير/كانون الثاني 2021 وشمل 27 ألف طالب يدرسون الطب، عن نتائج مماثلة.

فقد ذكر الاستطلاع أن أغلب الطلاب يعتزمون الحصول على اللقاح في نهاية المطاف فيما قرر 46 المائة منهم الانتظار.

 

 

وكشفت دراسة لمؤسسة مقرها الولايات المتحدة في نهاية مارس / آذار 2021 أن 52 بالمائة من المصريين ليسوا متأكدين أو غير راغبين في التطعيم ضد فيروس كورونا.

وفي تونس، أُجري استطلاع في فبراير / شباط 2021 عبر الهاتف وشمل 1219 تونسيا، كشف أن ثلثهم فقط يرغب في أن يتم تطعيمهم.

أما في لبنان، فقد أنحى مسؤولون باللائمة حيال التردد في قبول اللقاح على بطء عملية التسجيل على الموقع الإلكتروني الحكومي الخاص بالتسجيل للحصول على لقاحات كورونا. وبحلول منتصف أبريل / نيسان 2021، تم تسجيل حوالي 17% -فقط- من اللبنانيين للحصول على اللقاحات.

وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن، كشفت استطلاعات للرأي غير رسمية قامت بها منصة "درج" الإعلامية المستقلة، أن الغالبية غير متحمسة أيضا لتلقي لقاح كورونا.

وفي مدينة عدن الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، فقد أُجرى استطلاع للرأي شمل 121 شخصا كشف عن أن 84 بالمائة لا يريدون الحصول على اللقاح.

أزمة ثقة في الحكومات

 

لقاح فايزر بيونتيك - ممرضة في مستشفى الكندي في بغداد - العراق.  (photo: Ahmad al-Rubaye/AFP/Getty Images)
مستوى الثقة في لقاح كورونا مختلف من بلد عربي إلى آخر: بيد أن الأمر الفارق بين بلدان مثل العراق ولبنان وتونس وغيرها هو مستوى الثقة المتدني في الحكومات وأنظمة الرعاية الصحية العامة. فقد أظهر العمل المتواصل الذي تقوم به شبكة الباروميتر العربي المعنية بدراسة نتائج استطلاعات الرأي في الشرق الأوسط، أن الكثير من المواطنيين ليس لديهم ثقة كبيرة في أداء حكوماتهم ويعتقدون أن هذه الحكومات فاسدة أو غير كفوءة أو الاثنان معا. وحققت بعض الدول العربية نجاحات حيال إدارة أزمة وباء كورونا وأيضا في حملات التطعيم وهو ما يمكن ملاحظته عبر إجراءات شملت الإغلاق العام السريع والحازم كما حدث في المغرب مع بداية الأزمة الصحية والتعاون مع مصنعي اللقاحات كالعمل الجاري بين الإمارات وشركة سينوفارم الصينية. ربما يرتبط هذا بالمعدل الكبير في الاستعداد لتلقي لقاحات كورونا في المغرب والإمارات.

 

وبالنظر إلى هذه الاستطلاعات، فإنه من الواضح أن التردد في قبول لقاحات كورونا في بلدان الشرق الأوسط يستند جزئيا إلى مخاوف السلامة التي تتشابه في كثير من الدول وهي الخوف من الآثار الجانبية وأيضا القلق حيال السرعة التي تم خلالها تطوير اللقاحات.

بيد أن الأمر الفارق بين بلدان مثل العراق ولبنان وتونس وغيرها هو مستوى الثقة المتدني في الحكومات وأنظمة الرعاية الصحية العامة.

فقد أظهر العمل المتواصل الذي تقوم به شبكة الباروميتر العربي المعنية بدراسة نتائج استطلاعات الرأي في الشرق الأوسط، أن الكثير من المواطنيين ليس لديهم ثقة كبيرة في أداء حكوماتهم ويعتقدون أن هذه الحكومات فاسدة أو غير كفوءة أو الاثنان معا.

وحققت بعض الدول العربية نجاحات حيال إدارة أزمة وباء كورونا وأيضا في حملات التطعيم وهو ما يمكن ملاحظته عبر إجراءات شملت الإغلاق العام السريع والحازم كما حدث في المغرب مع بداية الأزمة الصحية والتعاون مع مصنعي اللقاحات كالعمل الجاري بين الإمارات وشركة سينوفارم الصينية.

ربما يرتبط هذا بالمعدل الكبير في الاستعداد لتلقي لقاحات كورونا في المغرب والإمارات.

فعلى سبيل المثال، كشف استطلاع أجراه لمرصد عبر الانترنت "يو غوف" You Gov في مارس / آذار 2021 عن أن 82 بالمائة من سكان الإمارات يريدون أن يتم تطعيمهم.

وفي فبراير / شباط 2021، أُجري استطلاع للرأي عبر الهاتف شمل 1238 مواطنا مغربيا ليكشف أن 88 بالمائة أعربوا عن رضاهم عن أداء الحكومة فيما أبدى 91 بالمائة استعدادهم للحصول على لقاحات كورونا.

الشائعات وقود الارتياب

تزايد حالات التردد في الحصول على اللقاحات قد يكون وراءه الكم الكبير من الشائعات والمعلومات المضللة حول اللقاحات.

ففي بعض الدول مثل الإمارات والسعودية تخضع وسائل الإعلام لرقابة كبيرة من الدولة بما يشمل الرسائل الرسمية حول لقاحات كورونا، بحسب ما يوضح محمود غزيل - الخبير اللبناني في التحقق من مدى صحة المعلومات التي يتداولها العامة.

 

قوارير صغيرة تحتوي على لقاحات متنوعة ضد فيروس كورونا.  (photo: Oliver Bunic/AFP/Getty Images)
مكافحة التردد في تلقي اللقاح معركة العالم العربي الجديدة ضد كورونا: تزايد حالات التردد في الحصول على اللقاحات قد يكون وراءه الكم الكبير من الشائعات والمعلومات المضللة حول اللقاحات. وترتبط حالات التردد في التطعيم ضد كورونا بمدى الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للحصول على معلومات، بحسب ما يشير باحثون.

 

 وفي مارس، كشفت استطلاع للرأي أن 62 بالمائة من سكان السعودية لديهم استعداد للحصول على لقاح كورونا.

لكن في دول أخرى مثل العراق حيث أن غالبية وسائل الإعلام ممولة من أو تابعة لكيانات دينية وسياسية متناحرة، فإن العراقيين لا يثقون فيما تقدمه وسائل الإعلام من أخبار، لذا فإن العراقيين يجدون ضالتهم للحصول على أخبار في منصات التواصل الاجتماعي.

حول ذلك، يقول غزيل في حوار مع دويتشه فيله إن "الناس لا يلجؤون فقط إلى الإعلام البديل ومواقع الأخبار لكنهم يلجؤون إلى مجموعات الدردشة (الغروبات) على الواتس آب والتليغرام والإنستغرام وهي منصات يمكن لأي شخص أن ينشر خلالها ما يحلو له دون قيد أو ضوابط".

وفي هذه المنصاب انتشرت أكاذيب بين متحدثين عرب من أن لقاحات كورونا تحتوى على كحوليات أو مشتقات من لحم خنزير أو أن هذه اللقاحات ليست سوى مؤامرة لإحداث تغيير في جينات أطفال المسلمين.

وتم الترويج على منصات التواصل الاجتماعي لفكرة وجود مضادات حيوية غريبة.

 

 

وفي مارس / آذار، قال 46 بالمائة من تونسيين شملهم استطلاع للرأي قامت به منظمة "الشراكة من أجل الاستجابة القائمة على أدلة لمواجهة كوفيد-19"، إنهم يعتقدون أن فيروس كورونا يمكن الشفاء منه عن طريق الأعشاب.

تحسن نسبي

وترتبط حالات التردد في التطعيم ضد كورونا بمدى الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للحصول على معلومات، بحسب ما يشير باحثون أردنيون نشروا دراسة لهم في يناير / كانون الثاني عن نظريات مؤامرة ارتبطت بلقاحات كورونا في الأردن والكويت.

لكن ليس الأمر بهذه الصورة القاتمة، فهناك مؤشرات على انخفاض معدل التردد حيال حملات التطعيم.

 

 

 

فقد رصد معهد "يوغوف" لرصد الآراء عبر الإنترنت، تحسنا في الانطباعات والاتجاهات العامة بشأن لقاحات كورونا منذ نوفمبر / تشرين الثاني العام الماضي 2021، وكشف المرصد عن تزايد قبول التطعيمات في العديد من الدول.

فبالتزامن مع تسارع حملات التطعيم في العديد من البلدان العربية، أصبحت السلطات أكثر وعيا حيال الحاجة إلى التعامل مع أزمة التردد في قبول التطعيم.

ورغم أن التطعيم ضد كورونا ليس إلزامياً بعد في الشرق الأوسط، إلا أن حكومات ابتكرت طرقا جديدة لحث مواطنيها على التطعيم منها تقديم امتيازات ووظائف مشروطة بالحصول على التطعيم.

فقد أصدر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي قرارات تتعلق بالصحة العامة شملت الحصول على شهادة إلزامية للتطعيم لجميع العاملين في القطاع الصحي وكذلك العاملين في متاجر البيع بالتجزئة والعاملين في مجال السياحة.

وبدورها اتخذت السعودية والبحرين والإمارات خطوات مماثلة إذ ألزمت العاملين في وظائف بعينها بالحصول على تطعيم ضد كورونا.

وهو ما يؤكد عليه حازم الريحاوي، الخبير السوري في الصحة العامة والذي يعمل في تحالف الإغاثة الأمريكي لسوريا في الولايات المتحدة، في حوار مع دويتشه فيله.

ويقول الريحاوي "في رأيي، إن أفضل طريقة للتعامل مع المستوى المرتفع من التردد في قبول اللقاحات هو إرسال رسالة واضحة وصادقة وشفافة من كافة الأصعدة خاصة الشخصيات الدينية والرسمية ومن النساء". ويضيف "هذه الرسالة مفادها أن التطعيم لطالما كان هاما في مجتمعاتنا وعلينا أن نذكر الناس بهذا الأمر".

 

كاثرين شاير

ترجمة: ع.م

حقوق النشر: دويتشه فيله 2021

 

 

ar.Qantara.de

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة