تتعدّد الأسماء (القبيسيات، السّحريات، الطّباعيات) نسبة إلى “الآنسة” المؤسسة لهذه الجماعة التي انطلقت من سوريا وبدأ انتشارها في نهاية الثمانينات إلى بلدان عديدة مثل الخليج واليمن ومصر وأوروبا وأميركا وأستراليا وغيرها، وتختلف التّحليلات والتّصورات حول هذا الوجه النّسائي الدّعوي وذلك لما يلف هذه الجماعة من السّرية والانعزال، ما جعلها تتعرض لانتقادات من قبل البعض من السلفيين والمعتدلين، إضافة إلى العلمانيين.
ممنوع اقتراب الرجال: من هن قبيسيات سوريا؟

القبيسيات في سوريا... صراع نخب أم رسم لخطوط الصراع في دمشق الجديدة؟

كيف يمكن تفسير ظاهرة قبيسيات سوريا؟ الباحث محمد تركي الربيعو يكتب: نحن لسنا أمام "إسلام سوق" أو بورجوازي محلي دمشقي، بل أمام نخب دمشقية تقليدية، تشعر بأنها محاصرة من محدثي النعمة وإفرازات اقتصاد ما بعد الحرب في سوريا، فتستغل هذا المشهد لإعادة ترتيب المدينة، وللتأكيد على وجود هوية محلية للعاصمة السورية.

بعيد فترة الخمسينيات والستينيات، بدأ الاحتفال بالمولد النبوي في الفضاء الحضري السوري شيئاً فشياً يقتصر على إقامته في البيوت أو المساجد، بينما أخذت الاحتفالات الدينية الشعبية مثل "خميس المشايخ" في حمص، وغيرها من الطقوس التي ما تزال تمارس إلى يومنا هذا في مدن القاهرة والدار البيضاء، تتراجع لصالح رؤية أكثر حداثوية لهذا الطقس.

وكان الباحث البلجيكي توماس بيريه، قد أشار في دراسته الأثنوغرافية "عرض سلطة العلماء: المولد النبوي في مدن سوريا"، التي شملت مدينتي حلب ودمشق، إلى أن أسباب توحيد الاحتفال الديني بهذا اليوم، بدل المظاهر المختلفة للاحتفال التي كانت سائدة، يعود لأسباب تتعلق بالمفاهيم الحداثية الإصلاحية التي بدأت توجّه مع بدايات القرن العشرين ضربات قاضية للطقوس الصوفية الدينية، إضافة إلى أن ازدياد توغّل الدولة في الحياة اليومية هو عامل آخر لا يقل أهمية؛ إذ شهدنا ظهور مقاربة أمنية حيال أي حدث أو تجمع.

بيد أنه في موضوع الموالد الدينية، شكّل تخصيص أماكن محددة للاحتفال به، بدل ممارسة هذه الاحتفالات في الشوارع أو الساحات العامة، أمراً إيجابياً، كون هذه الاحتفالات غالباً ما تترافق مع طقوس انتهاك، لا تشمل بعض الطقوس غير المألوفة (اختيار ملابس تنكرية)، بل تتضمن إعادة إدارة المكان وتنظيمه بعيداً عن عيون السلطة غالباً، إذ أن قيام المحتفلين بأداء دور رجال الأمن والشرطة وإدارة الفضاء، يُعدُّ تعطيلاً لدور الدولة في ممارسة العنف المشروع (إذا اعتمدنا تعريف فيبر للسلطة).

كما يحمي هذا التخصيص لأماكن الاحتفال، كما تبين لبيريه من خلال جولاته الأثنوغرافية، سلطةَ العلماء، فالمولد يتحول في الجامع إلى مسرحية تقدّم نظاماً اجتماعياً يسود فيه العلماء، وتمنع بالمقابل أي انتهاك أو محاولة للاحتفال خارج القواعد (لاحظ بيريه في إحدى جولاته كيف صُدَّ عدد من الشباب الذين حاولوا الاحتفال بهذا الطقس بحركات مختلفة وأخرِجُوا خارج المسجد من قبل القائمين وليس السلطة).

"المولد يتحول في الجامع إلى مسرحية تقدّم نظاماً اجتماعياً يسود فيه العلماء"

بيد أن ما كشفته الأيام الماضية التي صادفت احتفالات المولد النبوي، أننا أمام مشهد مغاير للمشهد الذي وصفه لنا بيريه بين عامي 2006 ـ 2008 فالملاحظ ترافق الاحتفالات هذا العام مع مظاهر مغايرة للقواعد السابقة. ونقلت وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لنساء دمشقيات وهن يحتفلن في أحد المطاعم الموجودة في ضواحي المدينة (بلودان) ويتمايلن بحركات إيقاعية بعيدة عن حركات الأجساد المعروفة في الذِكر.

وبينما ربط البعض هذا المشهد بالاهتمام الملحوظ، الذي أبداه النظام السوري باحتفالات المولد النبوي هذا العام، ربطه آخرون، بنوايا لدى النظام في إرسال رسالة للعالم حول دعمه للإسلام الصوفي الشعبي كبديل عن الإسلام السلفي الذي نراه في إدلب؛ فهؤلاء النسوة وفق هذه القراءة لسن سوى قبيسيات مثّلن المشهد بإحكام في سياق السياسات الدينية الجديدة للنظام السوري.

غير أن هذا التفسير للأمر بوصفه لعبة أو تسريبا من مؤيدي النظام، لا ينقل سوى جزء بسيط من مشهد الاحتفال، وارتباط هذا المشهد بالتغيرات على صعيد الهويات المحلية والحرب، وربما على صعيد الأشكال والشبكات البديلة الإسلامية المحلية، وغاياتها في مجتمع محلي دمشقي طاله كما طال غالبية المدن السورية تغيير كبير، وإن كان هذا التغيير في مدينة دمشق طال الأطراف، بينما بقيت بعض الأحياء محافظة على طابعها الاجتماعي والثقافي إلى حد ما.

أدرك العلماء أن مؤسساتهم التقليدية لا يمكن التعويل عليها في ظل الدولة القومية الحديثة، لاسيما أن الأوقاف (المؤسسة التقليدية) أصبحت في متناول الدولة/عمر العمادي.

 

 

هل كنّ قبيسيات؟

تصف لنا آنا مادوف، أستاذة الجغرافيا الحضرية، اعتماداً على تصوّر حنا أرندت، طقسَ الموالد الشعبية في القاهرة. فالمولد لا يُعدُّ مكاناً روحياً ورمزياً، بل أيضاً مكاناً لإعادة ترتيب العلاقات والصراعات، والأجساد بين أهل المدينة.

وفي حال مولدنا في دمشق، ذكرت بعض التحليلات كما أسلفنا، أن النساء اللواتي شاركن يُعتبرن بشكل أو بآخر امتداداً لحركة القبيسيات التي تأسّست على يد الشيخة منيرة القبيسية، التي ضمّها الشيخ كفتارو، صاحب العلاقة المتينة مع نظام الأسد الأب، إلى الطريقة النقشبندية في نهاية خمسينيات القرن العشرين.

وبقيت هذه الجماعة النسوية الدينية، تمارس على امتداد عقود دورها في المدينة، ضمن أطر تنظيمية ذات طبيعة علمانية، كما فعل علماء دمشق، وقد تجسّدت الطبيعة العلمانية لهذه الأطر أو المؤسسات، كما يشير الباحث السوري عمر العمادي، في نموذج «الجمعيات».

فقد أدرك العلماء أن مؤسساتهم التقليدية لا يمكن التعويل عليها في ظل الدولة القومية الحديثة، لاسيما أن الأوقاف (المؤسسة التقليدية) أصبحت في متناول الدولة/عمر العمادي. فوجدوا في الأشكال التنظيمية العلمانية بديلاً وخياراً أفضل.

بيد أن اللافت للنظر في الفيديو المنتشر للفتاة وهي تتمايل، ارتداؤها لباساً يتألف من وشاح أو حجاب خفيف مع سروال جينز ضيق، وهو لباس عادة ما يميز النساء الدمشقيات المحليات ويختلف تماماً عن لباس القبيسيات السمتي.

وينبغي الانتباه إلى أن الربط بين هؤلاء الفتيات والحركة القبيسية لم يأت لفهم خلفية هذا الاحتفال أو لقراءة أو فك الصورة التي تماهي بين الدمشقيات المحجبات والقبيسيات (قراءة نراها لدى النخب العلمانية السورية)، بل جاء من باب سوء الظن بهؤلاء النسوة، فالاتهام بالقبيسيات هذه الأيام لا يعني ارتباطاً بجماعة دينية، بل موقفاً سلبياً من الانتفاضة، بعد أن اختارت هذه الحركة الصمت العام، كما فعل الكثير من علماء المدينة، حين شهدت البلاد احتجاجات ومطالب بالتغيير عام 2011، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الموقف من الحركة ما زال يخضع لرؤية سلبية أيضاً، كما أن النقاش حول موقفها عادة ما يتجاهل، على نحو لافت للنظر.

إن العلماء وحركة القبيسيات لم يعدوا أنفسهم في يوم ما مجرد موظفين حكوميين أو تابعين للسلطة، بل نظروا إلى أنفسهم على أنهم حماة للشريعة ضد العلمنة، فاجتهدوا من أجل الأسلمة ضمن منهجية تنظيمية وغاياتية مغايرة لأطر الإسلام السياسي، أو ضمن منهجية قريبة في أساليبها لما يدعوه آصف بيات بـ«الزحف الهادئ» الذي يقوم على أطر علمانية (جمعيات ومدارس) بدل مزاحمة السلطة على شرعية العنف (كما فعل الإسلاميون الحركيون).

ويُقال إن كفتاور كان دوماً ما يدعو العلماء إلى ضرورة تحمّل كل شيء في سبيل حماية نشاطهم من قرارات النظام بتوقفها. وقد حكم هذا المنطق أيضاً منهج الحركة القبيسية، رغم محاولات النظام تصويرهن في جانبه؛ تروي إحدى المدرّسات: في عام 2012 وجدت نفسي فجأة في القصر الرئاسي، وجاء الرئيس، وأعطى النساء محاضرة عما يحصل في سوريا ومن ثم غادر الغرفة، وكالعادة، تم التقاط الصور ونشرها/ العمادي.

العلماء وحركة القبيسيات لم يعدوا أنفسهم في يوم ما مجرد موظفين حكوميين أو تابعين للسلطة، بل نظروا إلى أنفسهم على أنهم حماة للشريعة ضد العلمنة.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.