رسم خطوط التصدع في مدينة دمشق

أعود مرة ثانية إلى ملاحظات آنا مادوف، حول المولد ودوره في إعادة ترتيب العلاقات داخل الفضاء المديني. فأماكن الموالد لا تتميز بالحوار والتواصل فقط، بل أيضاً بإعادة رسم خطوط التصدع والانقسامات الهوياتية والطبقية داخل المدينة.

ففي حالة احتفالنا الدمشقي، يرتبط مكان الاحتفال، بلودان (إحدى ضواحي دمشق)، في ذاكرة الدمشقيين أو الشوام بقصص السيران (الرحلة) الذي كان يمارسونه في أيام العطل؛ فقد ميّزوا من خلال هذا الطقس الاجتماعي هويتهم الدمشقية عن باقي أبناء المدينة الجدد… ولا يُعدُّ طقس التسلية (السيران) جزءاً من إرث الترفيه واللهو الذي عرفه أهل المدينة، وإنما هو جزء أصيل من هوية الدمشقيين، وهو طقس مارسه كل أهل المدينة بمن فيهم العلماء الدمشقيون، ويعود إلى القرن الثامن عشر؛ فقد نقل لنا المؤرخون صوراً كثيرة عن السيران الذي كان يكرّره الشيخ عبد الغني النابلسي في وادي بردى، أو منطقة كيوان. ويروي الغزي في عام 1727 عن سيران قام به النابلسي، كان من الكبر بحيث التبس على البعض وظنوا أنه معسكر لحاكم دمشق وجنوده.

وفي سيراننا الحالي الذي ترافق مع إزالة الحواجز داخل مدينة دمشق مؤخراً، يقوم عدد من الفتيات والنساء بإعادة اختراع الاحتفال بالمولد النبوي عبر نقله من المنازل أو أماكن معروفة لهذه المناسبات، إلى المجال العام، وبمشاركة نساء غير محجبات (في السابق كانت المشاركة بالطقس تتطلب ارتداء حجاب خفيف على أقل تقدير) إلا أنهنّ بقين في هذا الاحتفال ملتزمات ببعض قواعد الحفل النبوي الدمشقي (مكان مغلق وغياب للرجال) وفي حين ركّزت بعض الأصوات المستهجنة على وجود (نادل).

يمكننا المقارنة هنا بين وضع النادل ووضع سائق العائلة في السعودية، إذ أشارت الأنثروبولوجية أميلي لورنار إلى أن المعايير الدينية الوهابية ترفض الاختلاط، مع ذلك يتم التغاضي عن وجود سائق للعائلة، وتعزو ذلك إلى أن السائق غالباً ما يكون هندياً أو باكستانياً، بالتالي لا يمكن أن يكون زوجاً، فلا وجود له إذن؛ في هذا التأويل المحلي، يعاد تفسير النص الديني لصالح مفهوم أنثوي للذكورة أو الزوج (السعودي).

وربما ينطبق الأمر ذاته على النُدل الذين تواجدوا في الاحتفال النبوي، فغالباً ما يأتون من خلفيات فقيرة وريفية، وبالتالي لا يُعدُّ النادل للنساء المشاركات (ميسورات الحال في الأغلب) عريساً أو قريباً من وسطهم المحلي، أي لا وجود له في عرفهن أو تعريفهن الأنثوي للعريس/الذكر الدمشقي (سابقاً كان يُعرَف بعدد المفاتيح في إشارة لممتلكاته).

إذن من هن هؤلاء النسوة وما هدفهن من هذا الاحتفال؟

في حال ربطنا بين النزعة الاستهلاكية ونقل طقوس الاحتفال إلى أحد المطاعم، نلاحظ أننا أمام مشهد أو نمط علماني للاحتفال الديني.

أعود لبعض الأخبار التي نُشرِت حول هذا الحفل، والتي أشارت إلى أن تكاليف المشاركة لكل امرأة في الاحتفال قد بلغت 6000 ليرة سورية (12 دولارا). ربما تتناقض هذه النزعة الاستهلاكية مع الصور الفظيعة من الفقر التي يعيشها السكان، ولعل هذا ما آثار حفيظة البعض حياله، ودفع إلى اعتماد وصف آخر للنساء باعتبارهن يمثلن «إسلام البزنس» في دمشق.

محمد تركي الربيعو كاتب وباحث سوري. الصورة خاص
محمد تركي الربيعو كاتب وباحث سوري مهتم بالدراسات الانثروبولوجية والتاريخية حول الشرق الأوسط..

وخلافاً لهذه الصورة، في حال ربطنا بين هذه النزعة الاستهلاكية ونقل طقوس الاحتفال إلى أحد المطاعم، نلاحظ أننا أمام مشهد أو نمط علماني للاحتفال الديني (يصحُّ هنا ربط هذا السلوك بسلوك القبيسيات في دمشق وممارساتهن العلمانية)، لكن هذا النمط العلماني لا يعبّر عن إسلام سوق أو بورجوازي محلي دمشقي، بل هو أقرب، كما نظن، إلى فكرة الصالونات الإسلامية التي عرفتها القاهرة في فترة التسعينيات، وتحدّثت عنها سامية سراج الدين في سياق قراءة تجربة هذه الصالونات مع شهر رمضان.

ففي تسعينيات القاهرة أخذ الجانب العام من وقائع رمضان يكشف عن جهد واعٍ ومتعمّدٍ لتحويله إلى مناسبة تجارية من قبل نساء النخبة التقليدية في القاهرة، أو لنقل أقرب للمظهر الذي مارسته فتيات دمشق في الاحتفال النبوي. كما ترافق احتفالهن بنقل نشاطهن من المسجد إلى أماكن عامة أخرى.

الأهم في ما ذكرته سراج الدين إشارتها إلى خلفيات النساء في هذا الصالون، فقد تبين لها أن معظم الناشطات في هذه الصالونات أو الأطر التنظيمية الجديدة، ينتمين إلى البورجوازية القديمة في مدينة القاهرة من ملاك الأراضي، وأن كثير منهن غالباً ما كنّ ينأين بأنفسهن عن محدثي النعمة الذي صاروا أصحاب ملابين بين عشية وضحاها، في ظل سياسة اللبرلة التي أوجدها أنور السادات.

في حال قارنا بين ملاحظات سراج الدين ونساء مولدنا الشاميات، نرى أن التغير الاقتصادي السياسي للمدينة (بروز محدثي نعمة جراء الحرب وغزوهم لأماكن عديدة في الفضاء الدمشقي)، دفع بعدد من النساء إلى محاولة التأكيد على الهوية المحلية الدمشقية التي تتعرض لتغيير كبير والحفاظ عليها (الشام ما عاد فيها شوام/ مثل يتكرر كثيراً في المدينة).

ومثلما تعيد الموالد في القاهرة رسم خطوط التصدع، يعيد هذا الصالون الاحتفالي أو الطقوس رسم أو تثبيت خطوط التصدع التي تعيشها مدينة دمشق بعيد الحرب (يمكن مقارنة هذه الطقوس أيضاً بإعادة إحياء الطقوس الحجازية بعيد التسعينيات في ظل حالة التهميش السياسي التي بات يشعر بها الحجازيون/ مي يماني). اذن يتيح هذا الاحتفال الديني للنساء الدمشقيات التأكيد على عاملين، يتعلق الأول بالابتعاد أو التمايز عن محدثي النعمة ممن استفادوا من الحرب وفرضوا شروطهم ووجودهم على أماكن عديدة في قلب المدينة، وبالتالي حماية الهوية المحلية الدمشقية؛ والثاني الابتعاد عن الاتهام بالأصولية الإسلامية، وأي اتهام لهن بالانتماء إلى جماعة إسلامية عبر مزج هذا الاحتفال بمنطق السوق.

إذن نحن أمام نخب دمشقية تقليدية، تشعر بأنها محاصرة من محدثي النعمة وإفرازات اقتصاد ما بعد الحرب، فتستغل هذا المشهد لإعادة ترتيب المدينة، وللتأكيد على وجود هوية محلية للمدينة.

هذا لا يعني أننا في مواجهة حركة سياسية، إذ أن هذه النشاطات لا ترمي إلى أبعد من التأكيد على رسالة هوياتية أكثر منها سياسية، ولا سيما أن حافز التغيير بات غائباً في قناعة أهل المدينة.

 

محمد تركي الربيعو

حقوق النشر: محمد تركي الربيعو 2019

محمد تركي الربيعو كاتب وباحث سوري، يركز في مقالاته على المقاربات الانتربولوجية والسوسيولوجية.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.