لَم تَكُن ميرزاخاني عالِمَةً نَوَويَّة، بَل صِنفًا بعيدًا كلّ البُعد عن ذلك، بحُكمِ مَركزِها كعالِمَة رياضيَّات ذات شُهرَةٍ عالَمِيَّة. نتيجة ذلك، يُمكِنُنا أن نَجزِمَ أنَّ تَفَوُّقَها يَحمِلُ دَلالاتٍ تاريخِيَّة بَحتَة تُقارَنُ بعُلَماء فارسِيِّين ومُسلِمين من عَبَقِ التَّاريخ الإسلاميّ أمثال محمد بن موسى الخَوارزمِي، ومحمد بن زكريَّا الرَّازي، وعلى رأسِهِم، الفَلَكِيّ والرّياضِيّ الشَّامِخ عُمَر الخَيَّام.

والفَضلُ هنا يَرجِعُ لِميرزاخاني التي نَجَحَت في إحياء المَورُوثِ التَّاريخِيّ لوطنِها الأُم، والذي أيقَظَ العالَمَ على دَرَجةٍ مُغايِرَة من الوَعي بإيران كبَلَدٍ إسلاميّ، وفي ظُرُوف ناجِمَة عن رُهابِ الإسلام المُتَفَشِّي في الولايات المتَّحِدة، لدَرَجَة أنَّ أغلَبَ الشَّعب الأمريكي يَعتَقِدُ بأنَّ كتابات الشَّاعِر والمُتَصَوِّف جلال الدّين الرُّومي هي من نَظم "غُورُو" –مُرشِد روحانِيّ من مدرسة "العَصر الجَديد"– يَسكُنُ ولايةَ كاليفُورنيا.

 إنَّ عمليَّةَ تَشبِيه ميرزاخاني بعُمَر الخَيَّام ليست محصورةً بكونِهِما عالِمَي رياضيَّات إيرانِيَّين. تَمَكَّنَت ميرزاخاني، كما فَعَلَ الخَيَّامُ قبلها، من رَفعِ صُورةِ وطنِهِما المُشتَرَك إلى مكانَةٍ أكثرَ تَعقيدًا في المُخَيّلَةِ الأوروبيَّة، وفي المُخَيّلَةِ الأمريكيَّةِ مؤخَّرًا، وبطُرُق لم تَكُن في الحُسبان.

  لا شَكّ أنَّ شُهرَةَ عُمَر الخَيَّام الشَّاعِر قد فاقَت بكَثِير شُهرَتَه كعالِم رياضيَّات، إلَّا أنَّ هذا الفَرق لا يَغدُو أكثَرَ من بَونٍ سَطحِيّ. ويَتَّضِحُ الآنَ أنَّ جَمالَ العَقلِ الرِّياضِيّ للخَيَّام كان يَجِب أن يُتَرجَم، إذا جاز التَّعبير، إلى اِرتِيابِيَّة شِعريَّة يَفهَمُها بَنُو البَشَر، فِيما يَبقَى شِعر مريم ميرزاخاني حِسابِيًّا صِرفًا. 

 

تِمثال للشَّاعِر والفَلَكِيّ والفيلسُوف الإيرانيّ عُمَر الخَيَّام: تاريخ الميلاد 1048م، نيشابور– تاريخ الوفاة 1131م نيشابور "مدينة الميلاد"، إيران (الصورة: خبرگزاری دانشجویان ایران "ايسنا")  (photo: ISNA)
إنَّ عمليَّةَ تَشبِيهِ ميرزاخاني بعُمَر الخَيَّام ليست محصورةً بكونِهِما عالِمَي رياضيَّات من إيران. تَمَكَّنَت ميرزاخاني، كما فَعَلَ الخَيَّامُ قبلها، من رَفعِ صُورَةِ وطنِهِما المُشتَرَك إلى مكانَةٍ أكثرَ تَعقيدًا في المُخَيّلَةِ الأوروبيَّة، وفي المُخَيّلَةِ الأمريكيَّةِ مؤخَّرًا، وبطُرُق لم تَكُن في الحُسبان.

 

فالرّياضِيَّات عند الخَيَّام قد استُبعِدَت، لكنها بَقِيَت عامِلًا كامِنًا ومُكَمِّلًا في شِعره، لتَسمُو بِه إلى مَقامٍ جَمالِيٍّ أرفَع [مُتَرجَم بتَصَرُّف]:

"يَلعَبُ الدَّهرُ ببَيادِقَ حِزان

فوقَ رُقعَةِ شَطْرَنج مِن لَيَالٍ، وأيَّام
جُزافًا، يُحَرِّكُهُم... كش مَلِك! يَذبَحُهُم

ثُمّ يُعِيدُهُم، بَشَرًا حَجَرًا، إلى صُوَان"

وإن كان الخَيَّامُ مُولَعًا بالعَبَثيَّةِ الشِّعريَّةِ للوُجُود، فإنَّ مريم ميرزاخاني قَد سَكَنَت داخِلَ الدِّقَّةِ الشِّعريَّةِ في أرقامِها. "أُحِبُّ أن أعبُرَ الحُدُودَ الوَهمِيَّة التي وَضَعَها النَّاسُ بين المَجالاتِ المُختَلِفة – أرَى في ذلك أمرًا مُحَفِّزًا للغاية"، قالت ميرزاخاني ذاتَ مَرَّة. "هنالك العديد من الأدَوات، ونحن لا نَعرِف أيًّا سنَستَعمِل بينَ لحظةٍ وأُخرَى. المِحَكُّ هنا أن يَكونَ المَرءُ متفائِلًا وأن يُحاولَ أن يَربُطَ العوامِلَ بَعضِها ببعض". هكذا فَعَلَت ميرزاخاني حين عَبَرَت الحُدُودَ المُتَخَيَّلة في عُلُومِ الرّياضيّات، تَمامًا كما يَفعَلُ شُعَراء آخَرُون حِيالَ سِرّ الحياة وغُمُوضِها.

المَرأةُ الرّياضِيَّة، الشَّاعِرَة، الرَّسَّامَة

في مُناسَبةٍ أُخرى، صَرَّحَت ميرزاخاني بأنَّ "الجُزء الأكثَر مُجازاة، بالطَّبع، هو حين يَهتِفُ المَرءُ ’وَجَدتُها!‘؛ هي لحظةُ الشُّعُور بنَشوَةِ الاِكتِشاف واِستِنِباطِ الجَديد – شعورٌ وكأنَّك على قِمَّةِ مُرتَفَع، وأنت تَرَى العالَمَ أمامَك واضِحًا وُضُوح الشَّمس. فمَثَلُ القِيامِ بالعَمَليَّاتِ الرياضِيَّةِ بالنِّسبةِ لي هو كَمَثَلِ رحلةٍ طويلةٍ للمَشي على الأقدام، دُونَ طريقٍ مَعلُوم، ودُونَ نهايةٍ تَلُوحُ في الأُفُق." هذا هو العَقلُ الرّياضِيّ حينَ يَسكُنُ روحَ الشَّاعِر. هذا هو الخَيَّام، مُتَجَسِّدًا.

تَمَثَّلَ شِعرُ ميرزاخاني في مُعادَلاتِها الرّياضيَّة – هو شِعرٌ يَفُكُّ رُمُوزَه نَفَرٌ قليلٌ من المُتذَوِّقين. ويَبقَى عالَمُنا مذهُولًا بجَمَالِ هذا الشِّعر. هناكَ توأمٌ آخَر لميرزاخاني، من زَمَنٍ أقرَب، وهو عالِمُ الرّياضيَّات الهِنديّ سرِنِڤاسا رامَنُجَن (1887– 1920)، الذي جاءَت وفاتُه المُفجِعَة كذلك وهو لم يتجاوَز الِاثنَين وثلاثين عامًا.

هناك حكاية مَعرُوفَة يُحَدِّثُنا عنها زَميلُ رامَنُجَن الإنجليزيّ، عالِم الرّياضيَّات الشَّهير غُودفرِي هارُولد هاردِي، والتي تُعرَفُ الآن بِاسم "عَدَد هاردِي-رامَنُجَن 1729". وَفقًا لهاردِي، فإنَّهُ كان في طريقِهِ إلى زيارةِ رامَنُجَن وهو طَريح الفِراش. كان هاردِي قد أَخَذَ سيَّارةَ أُجرَةٍ تَحمِلُ الرقم: 1729، وعند وصولِه، قال لصَدِيقِه أنَّ هذا العَدَد بَدا له مُمِلًّا للغاية، وأنَّه يَتَمَنَّى ألَّا يكونَ نَذِيرَ شُؤم. "أبَدًا"، أجابَه رامَنُجَن: "بَل هو عَدَدٌ مُمَيَّزٌ جِدًّا. فهو أصغَرُ عَدَدٍ يُمكِنُنا أن نُعَبِّرَ عنه بواسِطَةِ جَمعِ عدَدَين مُكَعَّبَين بطَريقَتَين مُختَلِفَتَين". والطَّريقَتان هُما:

1³ + 12³

وَ

9³ + 10³

أوَليسَ هذا بالشِّعر القَريح؟ ما الشِّعرُ، سِوَى الحقيقة البَيِّنَة والجَمِيلَة التي لا يَراها الفانُون؟ كانت العَينان الفَرِحَتان لطِفلَةِ مريم ميرزاخاني تَرَى ما بداخِل العَقلِ الجَمِيل لوالدَتِها بدِقَّةٍ مُتَناهِيَة. "في مَنزلِ العائلة، قُربَ جامعة ستانفُورد،" تُخبِرُنا رُوبِيرتس في مقالتِها عن عالِمَة الرّياضيَّات الإيرانيَّة، "كانَت ميرزاخاتي تَقضِي ساعاتٍ طويلة وهي تفتَرِشُ الأرضَ التي وَضَعَت عليها رُقَعًا كبيرة، تَخُطُّ أفكارَها، وتَرسُمُ الصِّيَغ والمُخَطَّطات البَيانِيَّة، مِمَّا كان يَدفَعُ بالصَّغيرَةِ آناهيتا لتَهتِفَ بحَماس، ’آه، ماما تَرسُمُ كعادَتِها!‘"

رَحَلَت عَنَّا مريم ميرزاخاني رَحيلًا مُوجِعًا ومُبَكِّرًا، حين كانت رُؤاها الحِسابِيَّة الرَّفيعَة في أَوجِها، قَبل أن تتحَقَّقَ قصَّتها كاملة. رَغم ذلك، وبِفَضل اِبنَتِها آناهيتا (التي سُمِّيَت على اِسم الآلِهَةِ الفارسيَّةِ القديمة، "افستان"، آلِهَة الخُصُوبَة والشِّفاء والحِكمَة)، خَلَّفَت ميرزاخاني وراءَها إلماعَةً عن المَعرفَةِ التي كانت تُحاولُ أن تُورِثَنا.

 

حميد دَباشي

ترجمة: ريم الكيلاني

حقوق النشر: الجزيرة / موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

حميد دَباشي هو أستاذ مَقعَد "هاكوﭗ كيڤوركيان" للدّراسات الإيرانيَّة والأدَب المُقارَن في جامعة كولومبيا، نيويورك، الولايات المتَّحِدة.

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة