أدى اجتماع العوامل الثلاثة مع بعضها البعض، لحدوث هزة روحية كبرى في نفس ابن تومرت، نتج عنها تبنيه لمنهج إصلاحي، يقوم على التعليم والشرح والإرشاد، الذي يتطور إلى حد استخدام الأساليب العنيفة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
 
وكان الهدف الذي ينشده ابن تومرت، كما تبلور لاحقاً في مسيرته، إقامة خلافة إسلامية كبرى تضم جميع بلاد وأقاليم العالم شرقاً وغرباً.
 
صفحة من كتاب: أعز ما يطلب المنسوب للمهدي ابن تومرت، من نسخة المخطوطة في المكتبة الوطنية الفرنسية. رصيف 22
صفحة من كتاب: أعز ما يطلب المنسوب للمهدي ابن تومرت، من نسخة المخطوطة في المكتبة الوطنية الفرنسية.
 
وفي أثناء رحلة عودته إلى السوس الأقصى، بدأ ابن تومرت في الدعوة لمنهجه الإصلاحي في جميع المدن والقرى التي مر بها، وأحدث دعوته دوياً هائلاً في أوساط المجتمع المغربي، نظراً لما كان يميز تلك الدعوة من صدام وتطرف.
 
يقال بأنه كان يكسّر بعصاه متاجر بيع الخمور حيثما حلّ، وكان يلقي خطباً ويعقد مناظرات مع فقهاء المدن التي كان يزورها، وكان آخرها في مراكش، مع فقهاء علي بن يوسف، أمير الدولة المرابطية، وكان يهزمهم جميعاً.
 
إعلان الثورة
 
من مراكش، واصل ابن تومرت رحلته إلى مسقط رأسه في السوس الأقصى، استطاع فيها أن يجمع الكثير من الأنصار والأتباع الذين اقتنعوا بدعوته وانخرطوا بسرعة في حركته.
 
وعمل على التمهيد لإعلان ثورته، ولما كان فقيهاً عالماً، فقد اعتقد أن ادعاء المهدية قد يكون وسيلة ممتازة للوصول إلى ثورته المنشودة.
 
فمهد لذلك الأمر بإذاعة ونشر أحاديث المهدي المنتظر، كما ادعى أنه علوي النسب، وأنه من سلالة أبناء الحسن بن علي بن أبي طالب.
 
وبعد أن تأكد من تهيئة أتباعه لقبول فكرة المهدية، قام في رمضان 515 هـ، بأهم خطوة في حركته عندما أعلن أمام أصحابه وأتباعه أنه هو نفسه "المهدي المنتظر" الذي بشرت به الأحاديث النبوية الشريفة.
 
ويذكر ابن القطان في كتابه نظم الجمان، أنه مما جاء في خطبة المهدي:
 
"الحمد لله الفعال لما يريد، القاضي بما يشاء، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وصلى الله على سيدنا محمد المبشر بالمهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يبعثه الله إذا نسخ الحق بالباطل وأزيل العدل بالجور".
 
وتتابع الخطبة، بحسب ابن قطان: "مكانه المغرب الأقصى وزمنه آخر الزمان، واسمه اسم النبي عليه الصلاة والسلام، ونسبه نسب النبي صلى الله تعالى وملائكته الكرام المقربون عليه وسلم، وقد ظهر جور الأمراء، وامتلأت الأرض بالفساد، وهذا آخر الزمان، والاسم الاسم، والنسب النسب، والفعل الفعل".
 
ويمكن أن نعتبر اليوم الذي أعلن فيه ابن تومرت أنه المهدي المنتظر، اليوم الفاصل الحاسم في تاريخ الحركة التومرتية خصوصاً وفي تاريخ المغرب والعالم الإسلامي عموماً، فمنذ ذلك اليوم ارتدى ابن تومرت "الثوب الروحي الذي اتشح به لتأييد شرعية إمامته وقدسيتها".
 
ولم يكتف ِ ابن تومرت بأخذ البيعة من القبائل الموالية له، بل بدأ يتحرك بسرعة في سبيل إعداد أنصاره للمواجهة العسكرية المرتقبة ضد السلطة المرابطية، فانتقل إلى "تينمال" وهي إحدى المدن الجبلية الحصينة، بحيث استطاع أن يجهز قواته دون أن يخشى هجوم المرابطين.
 
وفي الوقت نفسه، فرض على أتباعه، الذين سماهم باسم الموحدين، نظاما تعليميا تربويا دقيقا، فكان يُلزمهم بحضور دروس العلم، وألف بعض الكتب لتدريسها لهم، ولعل من أشهرها كتابي المرشدة وأعز ما يُطلب.
 
وعمل كذلك على تجنيد عدد من الجواسيس من أفراد الدعوة ليكونوا عيوناً له، وبذلك أصبح مطلعاً على كل ما يدور في القواعد العريضة لدعوته.
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.