إمانويل كانط...من الكوسموبوليتي إلى المواطنة العالمية

يحظى كتاب كانط «نحو السلام الأبدي»، الذي ألفه سنة 5971 بمناسبة اتفاقية بازل للسلام بين بروسيا وفرنسا الثورية، باهتمام جديد منذ بضع سنوات. فبالنظر إلى عولمة السياسة، أصبحت رؤيا «سلام دائم بين الدول» موضع اهتمام كبير.

وقد صاغ كانط فكرته عن السلام في بنود ثلاثة:

"يجب أن يكون الدستور المدني لكل دولة دستورا جمهوريا“. و “يجب أن يتأسس حق الشعوب على اتحاد دول حرة“، أما البند الثالث فيقول بضرورة „أن يقتصر الحق العالمي على ابتكار شروط حسن الضيافة العالمية“. إن كانط يستعمل في هذا البند الثالث مصطلح «القانون العالمي» بوضوح. وبما أنه مدرك لغرابة مصطلح «الضيافة» في هذا السياق، يشير على سبيل الاحتياط أنه حتى هنا “كما في البند السابق بأن الكلام لا يجري عن فيلونتروبي )محبة الإنسان( وإنما عن القانون“. وبلغة أخرى: الضيافة ليست فضيلة اجتماعية، ليست فعلا إنسانيا أو كرما اتجاه الغرباء، الذين يحضرون إلى بلدي أو لظروف طبيعية أو تاريخية يحتاجون مساعدتي، بل إن الضيافة أكثر من ذلك، إنها «حق»، لكل الناس، بما أنه يمكن النظر إليهم كمواطنين بالقوة في «دولة الإنسان العامة»، الجمهورية العالمية. لكن على الرغم من ذلك فإن «الحق» في «الضيافة» أمر غريب، لأنه لا يتعلق بالناس الذين ينتمون للدولة نفسها ويخضعون للقانون ذاته، ولكنه ينظم التفاعلات بين بشر، ينتمون لدول مختلفة ويلتقون عند حدودها.

وبهذا المعنى، تعني لفظة ضيافة حسب كانط: „حق كل غريب في ألا يعامل، في البلاد التي يحضر إليها، معاملة العدو. يجوز رفض استقباله إذا كان هذا الرفض لا يعرض حياته للخطر، لكن لا يجوز التصرف عدائيا تجاهه طالما التزم السلوك السلمي خلال إقامته. ليس المقصود هو حق الضيافة الذي قد يدعيه )فهذا يستلزم اتفاقية خاصة يحظى، بفضلها، بمنزل يقيم فيه مدة من الزمن(، إنما المقصود هو حق الزيارة الذي يجيز لجميع الناس أن يتبرعوا بالانتماء إلى المجتمع بموجب حق التملك المشترك للمساحة الأرضية، فبما أن الأرض كروية الشكل، لا يستطيع البشر أن يتفرقوا عليها إلى ما لانهاية، إنما هم مضطرون، في نهاية الأمر، أن يتحملوا بعضهم البعض متجاورين“.

إيمانويل كانط فيلسوف عصر الأنوار
"أعمل العقل الخاص بك"، هكذا كانت دعوة إيمانويل كانط (1724- 1804)، كان هذا الفيلسوف الكبير يعرف فلسفة عصر الأنوار أو عصر التنوير بأنها "خروج الإنسان من قصوره المفروض ذاتيا". ولكي يكون الإنسان حرا على الإنسان إتباع عقله ووضع العواطف والغرائز تحت السيطرة.

ويفرق كانط هنا بين حق دائم في البقاء، «حق الضيافة» وبين حق في البقاء زمني، «حق الزيارة». ويمكن تقديم حق الضيافة عبر اتفاقية حرة، عبر «عقد خيري» يتجاوز ما يدين به الإنسان أخلاقيا للآخرين.

إن دعوة كانط إلى عدم رفض دخول من يحتاجون مساعدة إلى البلد، إذا ما كان هذا الرفض يشكل خطرا على حياتهم، اعتمد سنة 1591 كقاعدة قانونية في اتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين، والتي تقضي برفض الترحيل القسري للاجئين وطالبي اللجوء إلى بلدانهم الأصلية، إذا ما كان ذلك يهدد حريتهم وحياتهم. وطبعا بإمكان الدول الحرة أن تفسر هذه القاعدة، حين تعمد إلى فهم مصطلحات الحياة والحرية وفقا لرغبتها، أو الالتفاف عليها عن طريق تسليم اللاجئين أو طالبي اللجوء إلى بلد ثالث. لقد تنبأ كانط بهذا التوسط بين الالتزام الأخلاقي تجاه طالبي اللجوء والمصلحة الخاصة، وعمل على شرعنته. إن الترتيب المعياري لهذين المطلبين الالتزام الأخلاقي تجاه الثالث والمصلحة الشخصية الشرعية هو وبغض النظر عن الأخطار المحدقة باللاجئين الذين تم ترحيلهم، أمر مبهم. وفي الحالات الأخرى يسمح هذا الالتزام بحرية وسلامة الضيف، بتأويل خاص من طرف الدول المستقلة، حتى لا يصبح هذا الالتزام، التزاما غير محدود.

من الدولة مرورا بالشعب وإلى القانون العالمي

ترك كانط وصية تقبل أكثر من تأويل: كان يريد شرعنة التوسع التجاري البحري للرأسمالية، لأن من شأن ذلك أن يقرب بين الأعراق البشرية، لكن دون أن يعمد إلى شرعنة الامبريالية الأوروبية. إن حق الزيارة العالمي يسمح بالإقامة المسالمة لوقت محدد من الزمن في بلد ما، لكنه يرفض سرقة واستغلال وغزو واستعباد من ننزل ضيوفا عندهم، كما عبر كانط عن ذلك في معرض حديثه عن محاولات الغزو الأوروبية في الصين واليابان. لقد كان التفريق في القرن الثامن عشر بين «حق الضيافة» و «حق الزيارة» في سياق التطور الذي عرفته الامبريالية الأوروبية البحرية، تقدميا، لكنه لم يعد كذلك بالنسبة لعصرنا.

إن على الدستور أن يضمن حقوق المواطنة للأجانب ولا يجب النظر إلى ذلك كعقد خيري. وطبعا فإن الحق في الجنسية مرتبط بتحقيق شروط محددة، تحددها الدولة الديمقراطية. لكن «الحق في الجنسية» أو «قانون الجنسية» يندرج في إطار حقوق الإنسان، إذ ينص عليه البند الخامس عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويؤكد „أن لكل فرد حق التمتع بجنسية ما“ كما أنه „لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها“.

إنا مدينون لكانط بتفريقه بين القانون العام الذي ينظم العلاقات القانونية بين الأشخاص داخل كيان محدد، والقانون الدولي الذي ينظم تلك السائدة بين الدول والقانون المدني العالمي، الذي ينظم العلاقات القانونية بين أشخاص لا ينظر إليهم كأعضاء في شعب معين، بل كمواطنين في مجتمع مدني عالمي. إن كانط حين يوضح بأن الفاعلين الأساسيين على المستوى الدولي ليسوا دولا وزعامات سياسية فقط ولكن أيضا مواطنين من تكتلات مختلفة، فإنه يمنح المفهوم الكوسموبوليتي معنى جديدا، وأعنى بذلك المواطن العالمي.

إن فكرة المواطنة العالمية تتضمن أملا طوباويا، يرى أن التجارة من شأنها أن تدعم السلام بين الناس. إن تكثيف العلاقات بين الناس سيقود إلى „أن خرقا للقانون في مكان ما على هذه الأرض، يشعر به كل الناس“، إن المواطنة العالمية هي أولا نظام قانوني جديد، يرى أن البشر بكل بساطة، وبما أنهم بشر، يملكون حقوقا معينة. )رغم اتفاقنا المبدئي مع كانط، يتوجب علينا أن لا ننسى الجوانب السلبية أيضا في ليبراليته رغم إنجازها المدهش: ففي جمهورية كانط ينظر إلى الخدم والنساء كتلاميذ بدون ملكية، كأطفال للجماعة، ووضعهم القانوني يرتبط برب العائلة(.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : مواطنة كونية...هل يمكن الجمع بين الكوسموبوليتية والديمقراطية؟

فعلا الحل هو الدفاع عن مواطنة كونية ،حيث الوقوف عند صناعة مواطنة غربية او فارسية على حساب تعاسة المواطة العربية يعتبر ارهابا دوليا شبه منظم ،سوف لا يجدي بالنع للانسانية جمعاء سواءا على المدى القريب او المتوسط، لكن و للاسف ما يراه الكائن المستبد التوسعي المستعمر المتسلح عكس ما يراه الكائن الانسان المتعقل ...

الحسن لشهاب12.05.2018 | 20:50 Uhr