من المواطنة العالمية إلى القانون المدني العالمي ـ هابرماس

الأطروحة التي تقول بأننا ـ منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 8491 ـ دخلنا في مرحلة تطور للمجتمع المدني العالمي والتي تتميز بالانتقال من عالمية معايير العدالة إلى كوسموبوليتيتها، تشهد رواجا كبيرا. ففي الوقت الذي تنبع فيه معايير القانون الدولي من واجبات تعاقدية، اتفقت عليها الدول وممثلوها، ترتبط المعايير الكوسموبوليتية بالأفراد، الذين ينظر إليهم كأشخاص أخلاقيين وقانونيين في مجتمع مدني عالمي. وحتى وإن وجدت المعايير الكوسموبوليتية أصلها في الواجبات التي تعمل كاتفاقيات، مثل ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات حقوق الإنسان المختلفة، فإن الجدير بالملاحظة فيها، أنها تقيد عمل الدول وممثليها، بل أحيانا تقف ضد إرادة الموقعين عليها. إن ذلك ما يميز العديد من اتفاقيات حقوق الإنسان التي دخلت حيز التنفيذ منذ الحرب العالمية الثانية.

لقد تحول القانون الدولي، بشكل حاسم، بفضل هذه البنود القانونية العامة. طبعا من الطوباوية لربما وصفها بالخطوة الأولى باتجاه «دستور عالمي»، لكن لا غرو أن الأمر يتعلق بأكثر من مجرد اتفاقيات بين دول، بل بمكونات المجتمع المدني العالمي. وفي إطار هذا المجتمع لا يتمتع الناس بحقوق انطلاقا من هويتهم كمواطنين داخل بلد ما، ولكن بدرجة أولى لأنهم بشر. ورغم أن الدول تظل أقوى فاعل، لكن مدى قرارتها الشرعية سيتراجع. علينا إعادة التفكير بالقانون الدولي انطلاقا من خلفية هذا المجتمع المدني العالمي الذي يوجد في طور التشكل والذي تتهدده الحروب والعنف والتدخل العسكري. وهذا التحول الذي يشهده القانون ستكون له نتائج على إدراكنا للعلاقة بين الكوسموبوليتية والديمقراطية في عصرنا.

 الفيلسوف الألماني وعالم الاجتماع يورغن هابرماس (إلى اليسار) وزميله الكندي تشارلز تايلور (إلى اليمين) مُنحا سويةً في التاسع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2015 جائزة جون دبليو كلوج في واشنطن، وتُعتبر هذه الجائزة أرفع تكريم على أعمال فيلسوف على مدى حياته وقيمتها 1,5 مليون دولار أمريكي.
الفيلسوف الألماني وعالم الاجتماع يورغن هابرماس (إلى اليسار) وزميله الكندي تشارلز تايلور (إلى اليمين) مُنحا سويةً في التاسع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2015 جائزة جون دبليو كلوج في واشنطن، وتُعتبر هذه الجائزة أرفع تكريم على أعمال فيلسوف على مدى حياته وقيمتها 1,5 مليون دولار أمريكي.

إن سؤالنا لا يتعلق بشكل أساسي بالكوسموبوليتية والديمقراطية ولا بالكوسموبوليتية أو الديمقراطية ولكن يتعلق خصوصا بالديمقراطية في عصر الكوسموبوليتية القانونية. ومن هذه النقطة يبدأ التصور الكوسموبوليتي ليورغن هابرماس.

يرى هابرماس أنه في عصرنا الحالي „كل تصور فلسفي عن تشريع للسياسة العالمية لا بد أن يأخذ بالاعتبار الأفراد والدول، بوصفهما العنصرين المكونين للذوات المؤسسة لدستور عالمي“. إنه يؤكد خصوصا على ضرورة ألاّ يقوم هذا النظام القانوني المتعدد „على تعويض عالم الدولة بسلطة جمهورية عالمية، ستتجاهل الأساس القائم داخل الدول والذي يتمثل في الثقة المتراكمة وما يرتبط بها من إخلاص المواطن لأمته“، وبدلا من ذلك يرى هابرماس أننا نحتاج إلى مؤسسات للوساطة ومنظمات اقتصادية على المستوى الإقليمي وأخرى أمنية وأخرى دولية، تدافع من جهة عن الحقوق الكوسموبوليتية للأفراد ومن جهة ثانية تدعم الديمقراطية داخل البلدان.

الكوسموبوليتية الاقتصادية

وجهت انتقادات كثيرة لهذا التصور عن كوسموبوليتية ديمقراطية كما عرفناها في التقليد الممتد من كانط وحتى هابرماس. فالمدافعون عن عولمة اقتصادية مثل توماس فريدمان )على الأقل في كتابه «العالم مسطح»( يختزلون المعايير الكوسموبوليتية في رواية سطحية لحقوق الإنسان: الحرية، العدالة والملكية، مؤكدين بأنها تتماشى مع توسع السوق الحرة والتجارة الدولية.

ونشهد في هذا الشأن تضامنا مثيرا للانتباه بين الليبراليين الجدد، المنظرين للعولمة والمنظرين الماركسيين الجدد لـ «الإمبراطورية» وخصوصا أنطونيو نغري ومايكل هارت. فهارت ونغري يفرقان كما هو معروف بين الإمبريالية والإمبراطورية، من أجل الإمساك بالمنطق الجديد للنظام العالمي. ففي الوقت الذي تحيل فيه كلمة «إمبريالية» إلى نظام عنيف واستغلالي، عبر فرض قوة إمبريالية لإرادتها على الآخرين، تحيل الإمبراطورية إلى نظام من القواعد والمحددات والبنيات، مجهول الهوية، يحدد حياة الناس في إطار الرأسمالية المعولمة.

فبالنسبة للرأسمالية المعولمة من الضروري حماية الحق الفردي في تبادل البضائع والخدمات بشكل حر في الأسواق، وخصوصا من الضروري احترام الاتفاقيات المبرمة وتنفيذها. إن الإمبراطورية هي سلطة الرأسمال المتنامية باستمرار، والتي لا تتوقف عن اكتساح مجالات أخرى، وفرض سيطرتها عليها.

وفي ظل الأزمة الاقتصادية الشاملة التي لم نشهد لها مثيلا منذ عام 0391 سيجد النقد الماركسي الجديد للرأسمالية العالمية أنصارا جدد. لكن ما يدعو إلى السخرية هو أن الإمبراطورية "الولايات المتحدة الأمريكية" فقدت توازنها وأن السوق اكتسحتها. يتوجب علينا إعادة التفكير بقواعد ومحددات السوق العالمية وفرض معايير قانوينة كوسموبوليتية في مجال الاقتصاد. يتوجب إذن اليوم على الكوسموبوليتية أن تقود العديد من المشاريع المتداخلة للنظام العالمي الجديد. فالاقتصاد العالمي تعرض لضربة قوية وسريعة، وتتحمل إيديولوجية تحرير الأسواق لإدارة بوش وأنانية وجشع القطاع المالي المسؤولية عن ذلك ولكن أيضا انهيار الثقة الاجتماعية وأنظمة الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية والتي ظهرت للعيان بسبب ردة الفعل الكارثية على إعصار كاترينا.

إن حقبة الأنانية هذه داخل الدول الرأسمالية تعكس تطورا عالميا. فالمساعدات التنموية للدول الفقيرة تراجعت ولا تقدم الحكومات أمنا كافيا لشعوبها في مناطق واسعة من أفريقيا، أفغانستان، أمريكا الوسطى وبورما. والدول المنهارة تترك الميدان لقبائل إثنية دينية، تخوض الحرب فيما بينها، مناطق للتجارة الحرة لا وجود فيها لحقوق إنسان ولا لحقوق مواطنة أو حقوق اجتماعية واقتصادية للفلاحين والعمال.

وبسبب المأزق الذي تعيشه اقتصاديات العديد من الدول النامية، يتم الاجهاز على الحقوق الاجتماعية أكثر فأكثر، من أجل جلب الاستثمارات الأجنبية والدفع بالنمو الاقتصادي.

ولهذا فنحن لا نحتاج فقط إلى تنظيم أكثر قوة للأسواق المالية ومراقبة أكثر صرامة، حتى تحترم مراكز النمو والتجارة الحرة قانون العمل العالمي وحقوق الإنسان والبيئة، بل نحتاج إلى إعادة تفكير بالعدالة التوزيعية على مستوى العالم. ولتحقيق ذلك يتوجب علينا أن نعيد تشكيل خارطة العالم في رؤوسنا بشكل يجعلنا لا ننظر إلى التبعية المتبادلة في قضايا الاقتصاد والبيئة كحقبة مؤقتة في تاريخ الشعوب، ولكن كأساس حاسم تقوم عليه الحداثة، وكتاريخ إنساني عالمي. وبلغة أخرى يتوجب علينا أن نعي هذه التبعية العالمية التي أدركها كانط بمعرفته المحدودة في القرن الثامن عشر.

حدود "الشعب"

التصور الكوسموبوليتي يتطلب منا أيضا إعادة النظر بمشكل الحدود داخل نظرية الديمقراطية، والذي يصطلح عليه أيضا مشكل تكون الشعب. فبينما استعمر الغرب في القرن الثامن عشر بقية العالم، فإن «بقية» العالم اليوم أصبحت في مركز الأحداث: الهجرة تتبع نماذج انزياحات متوقعة بين المركز والأطراف. وهو ما يعني أن حدود شعب ما، كما هي معطاة تاريخيا، لا يمكن أن تستمر على حالها. فنماذج الهجرة المعولمة ـ والتغييرات المستمرة التي تخضع لها، تظهر بوضوح، بأن الشعوب عبر التاريخ تكونت وما برحت تتكون من جديد.

أريد هنا أن أستشهد برأي زميلي روبرت دال من جامعة يال، الذي كتب يقول: “إن قضية اتخاذ القرار بشأن أي الأشخاص ينتمون بشكل شرعي إلى شعب ما )...( وانطلاقا من ذلك يحكمون أنفسهم في ظل جماعة ما، هي قضية منسية من طرف كل الفلاسفة الكبار الذين كتبوا حول الديمقراطية. وأعتقد أن ذلك يعود إلى أنهم اعتبروه أمرا بديهيا أن الشعب قد تكون )...( وأن الدولة هي ما هي عليه، وأن الدولة الأمة هي ما صنعه التاريخ بها، الأثينيون هم الأثينيون والكورنث هم الكورنث واليونانيون هم اليونانيون“.

لكن مع ذلك لا يوجد إجراء ديمقراطي يسمح باتخاذ قرار ديمقراطي حول من يتوجب أن ينتمي إلى الشعب ومن لا، لأن مثل هذا القرار يتضمن بدءا التفريق بين من يحق لهم اتخاذ القرار وأولئك الذين لا ينتمون إلى الشعب. إننا نقف أمام مأزق لا مهرب منه. ورغم أنه لا يمكن تجنب هذا المشكل المنطقي، إلا أن هناك حلولا لمشكلة تشكل الشعب، أكثر عدالة وأكثر ذكاء من غيرها. ولهذا فإنه ينتمي، لا غرو ، في زمننا إلى التصور الكوسموبوليتي واجب أن لا تتم معاملة الضيف كضيف ولكن كشخص يمكنه أن يصبح مواطنا أو عضوا في المجتمع، أو في لغة هابرماس، يصبح في زمن العولمة «إشراك الآخر» واجبا من واجبات المجتمع المدني العالمي، الذي لا يقف عند حدود قومية.

سيلا بن حبيب

محاضرة ألقتها الكاتبة في مؤتمر حزب الخضر الألماني في إطار فعالية „الذكرى الستون للدستور الألماني ـ دعم أسس الحرية“. ونشر النص لأول مرة في مجلة: Blätter für deutsche und internationale Politik, 6/2009

سيلا بن حبيب أكاديمية تركية أستاذة العلوم السياسية في جامعة يال الأمريكية.

 

ترجمة: رشيد بوطيب

حقوق النشر: معهد جوته فكر وفن

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : مواطنة كونية...هل يمكن الجمع بين الكوسموبوليتية والديمقراطية؟

فعلا الحل هو الدفاع عن مواطنة كونية ،حيث الوقوف عند صناعة مواطنة غربية او فارسية على حساب تعاسة المواطة العربية يعتبر ارهابا دوليا شبه منظم ،سوف لا يجدي بالنع للانسانية جمعاء سواءا على المدى القريب او المتوسط، لكن و للاسف ما يراه الكائن المستبد التوسعي المستعمر المتسلح عكس ما يراه الكائن الانسان المتعقل ...

الحسن لشهاب12.05.2018 | 20:50 Uhr