كريم بدر - إعلامي وكاتب عراقي لجأ إلى السعودية في تسعينيات القرن العشرين

100 ألف سجين/لاجئ في الصحراء لمدة 13 عاما !

كريم بدر هاجر منذ آذار/ مارس1991 إلى المملكة العربية السعودية هاربا من وطنه العراق الذي طارده وأسرته حتى الموت، وتردد كثيرا وهو يحدثنا عن سنوات الصحراء كما أسماها.

"في البداية لابد من القول إني لم أذهب مختارا إلى السعودية، بل مجبرا تحت حراب وبنادق الحرس الجمهوري العراقي الذي طاردنا حتى حدود السعودية، فدخلنا إليها، وكان وجودنا منذ اليوم الأول هناك وجود أسرى وليس مهاجرين، فقد ألقي بنا في وادٍ سحيق بعمق الصحراء في خيام بمخيم مسور بأسلاك شائكة وبأبراج الحراسة التي ترابط عندها دبابات سعودية. قريبا من مدينة رفحة الصحراوية، وقد بقيت 4 سنوات، وبقي البعض 17 سنة. بقينا هناك بعنوان لاجئين، وفي السعودية لا يوجد لاجئون ولا قوانين تحمي من يحملون هذه الصفة. كنا في مواجهات مستمرة مع الجندي السعودي، الذي كان يقتل اللاجئ لأتفه سبب. وهكذا قُتل شباب كثيرون، ومنهم شاب قتل أمامي، كان ملثم الوجه بسبب رياح الصحراء المحملة بالرمل الحارق، وطلب منه أحد ضباط المخيم أن يرفع لثامه بلغة آمرة"اِرفع لثامك يا كلب"! فرد عليه الشاب، "أنت الكلب"، فسارع الضابط ومن معه إلى إطلاق النار عليه.

خلال أربع سنوات لم أغادر حاجز الأسلاك الشائكة، كنّا أسرى يأتون لنا بالطعام والماء دون أن يتاح لنا الخروج والعمل أو الذهاب إلى أي مكان ولكن بحكم الحاجة نجحنا في بناء ما يشبه الأكواخ الطينية، جدران من الطين المفخور، تسقفها الخيام، هكذا عشنا . كنا نسميه معتقل رفحة لأننا لم نغادره، وكان في المخيم مركز طبي، وفتحوا مدارس في المخيم، يدرس ويدرّس فيها اللاجئون بأنفسهم. كان عددنا 100 ألف "سجين".

كريم بدر - إعلامي وكاتب عراقي لجأ إلى السعودية في تسعينيات القرن العشرين. Foto: Privat
كريم بدر - إعلامي وكاتب عراقي لجأ إلى السعودية في تسعينيات القرن العشرين: "لابد من القول إني لم أذهب مختارا إلى السعودية، بل مجبرا تحت حراب وبنادق الحرس الجمهوري العراقي الذي طاردنا حتى حدود السعودية، فدخلنا إليها، وكان وجودنا منذ اليوم الأول هناك وجود أسرى وليس مهاجرين، فقد ألقي بنا في وادٍ سحيق بعمق الصحراء في خيام بمخيم مسور بأسلاك شائكة وبأبراج الحراسة التي ترابط عندها دبابات سعودية".

شاحنات الموت

وكنا مخترقين من قبل عناصر المخابرات العراقية، التي كانت تتوغل في المخيم بعناصر متخفية، وتنفذ عمليات اغتيال أو خطف مدبّرة بالاتفاق مع السلطات السعودية المسؤولة عن حماية المخيم. وكتبت عن ذلك كتيبا أسميته "شاحنات الموت" فقد كان زوار الفجر يطلون على السجناء ليلا، ويخطفون عشرات منهم لينتهوا في المقابر الجماعية على الحدود السعودية في العراق.

بعد سنتين من شاحنات الموت، وسوء معاملات السجان السعودي الوحشية، وقعت انتفاضة كبرى في المخيم، وبسببها تدخلت الأمم المتحدة، وفتحت لها مكتبا في المخيم، ثم جرى تنظيم وترتيب الأمور، وقدم ممثلو دول أوروبية وغربية متعددة، وأخذوا مجاميع من اللاجئين لبلدانهم، ونتيجة هذا نجحت في مغادرة المخيم إلى بلدي الآمن الذي أعيش فيه الآن هولندا، أوروبا هي التي أنقذتني من جحيم الوهابية السعودية. من أجرى المقابلة التي أنقذتني هولندي يهودي، أجرى لي لقاء وأوصى بنقلي الى هولندا. وقد خرجت برفقة 119 عراقيا، مخفورا ويرافقني سجانو المخيم المسلحون، ونُقلنا بالحافلات، وصولا إلى طائرة كي إل إم. ولم يختفِ الحارس عن المشهد إلا حين أصبحنا داخل الطائرة الهولندية.

طيلة أعوام الاعتقال، لم يزرنا أي مسؤول سعودي، هم اعتبرونا سجناء وتركونا نتعفن في الصحراء المحرقة طيلة سنوات. أذكر أن الأمير سلطان بن نايف - لست متأكدا من اسمه- سأله أحد الاعلاميين عن مصير اللاجئين العراقيين بعد سنوات من مكوثهم في رفحة، فقال عبارته الشهيرة "اللي يبيهم ياخذهم" بمعنى أن بلاده لا تريدنا.

خلال هذه الأعوام الطويلة، تزوج كثيرون، كما ولد كثيرون في "مخيم الاعتقال"  السعودي رفحة، وأعتقد أن شهادات ولادتهم اليوم تشير إلى هذه الحقيقة (مسقط الرأس مخيم اللاجئين العراقيين في رفحة). ومن توفوا دفنوا في مقبرة رفحة القريبة من المخيم.

 

ملهم الملائكة - ربيع 2016

حقوق النشر: موقع قنطرة  ar.qantara.de 2016

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : الهجرة واللجوء شرقا وغربا...خواطر شخصية ومشاهدات ذاتية

موضوع مخربط وغير مربوط، لم افهم شي منه، الكاتب غير واضح، يعني هو مع ايران ولا ضدها ومع السعودية ولا ضدها ومع أوروبا ولا ادري أي شيئا يقول؟

عبد الباقي الجحيشي04.05.2016 | 20:49 Uhr

الهجرة العراقية الصعبة الى رفحة، كانت فعلا كالمستجير بالرمضاء من النار، فخلفنا كان جنود الحرس الجمهوري الخاص ينصبون منصات اعدام الثائرين، وامامنا الدرك السعودي يسوقنا بالعصي الى المنفى. قضيت هناك 7 سنوات مرة، ولولا موافقة الولايات المتحدة التي منحتنا اللجوء لمت هناك وتحولت الى رمل. موضوع رفحاء ييعود اليوم في العراق الى ساحة النقاش، فهم يريدون ان يحرموا اهل رفحة من حقوقهم التقاعدية، و رغم ان تلك الحقوق لم تشملني، لأني لست مناضلا في الاحزاب الدينية، لكني ارى ذلك ظلما في حقهم.

محمد الحمداني21.07.2017 | 17:36 Uhr

انظر لكل من حصل على لجوء شخص ذو حظ عظيم واتمنى انا احصل ايضاً على لجوء لانه في بلدي سوريا نسينا مامعنى الحرية بلفكر وبأبسط حقوق الانسان

رولا26.07.2017 | 01:31 Uhr

هذه العبارة تلخص كل مأساة العراقيين، لاسيما الشيعة منهم الذين احسنوا الظن بالدولة الشيعية إيران فعاشوا فيها سنوات العذاب والجمر" كعراقي في إيران أمامك طريقان، إما تكون جزءا من أحزاب المعارضة الشيعية العراقية (حزب الدعوة، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية "بدر"، منظمة العمل الإسلامي) وإما أن تعمل في المؤسسات الدينية العراقية وهي بالعشرات تنتشر في مدينة قم حصرا وترتبط بالمرجعيات الشيعية النجفية والكربلائية." شكرا للكاتب أمير علي حيدر الذي يبدو من اسمه شيعيا على هذه الشهادو النابضة بالحقيقة.

سيد علي عبد الحسين03.12.2017 | 14:12 Uhr

ما كتله السوري محمد مطرود يلخص هم المثقفين، ليته حدثنا عن هموم الناس الذين اكتسحتهم احزاب قطر والسعودية وايران وقضت على علمانيتهم، حتى بات وصف العقل والعلمانية لصصيقا بالنظام يختص به فحسب."حالة التقزيم التي كنا فيها جعلتنا ننظر إلى كل مختلف عنا على أنه أكبر وأهم. أما بفعل القرب الذي نحن فيه اليوم وفرض علينا فرضاً فقد صرنا ندفع عن أنفسنا بالتي هي أحسن"

عدل بلنس بنهود03.12.2017 | 14:15 Uhr

الصفحات