أمير علي حيدر - كاتب عراقي لجأ إلى إيران في تسعينيات القرن العشرين

في 29 آذار/ مارس1991 عبرت الحدود من العراق -الذي لم يكن قط بلدا يحبني- إلى إيران التي لم أفكر قط في أن أحبها وأتخذها سكنا. عبرت الحدود دون جواز سفر.

كل ما عندي نزعته على الحدود، وكانت غرفة جندي صغير في فوج يحمل اسم موسى الكاظم على قمة جبل مقابلة لقمة جبل عراقية تطل على حوض بنجوين أول مأوى ألوذ به. الغرفة المبنية في حضن جبل لها جدار موشح بصورة لرجل إيران الجديد (آنذاك) الخامنئي. بقيت طيلة الليلة الأولى أتأمل شكل المعمم بابتسامته الغامضة والذي سوف أستظل بسلطته لزمن قادم لا أدري حتى متى يستمر.

أول تجربة لي مع الابتسامة الغامضة الإيرانية كانت مع رجل اسمه محمد كاظمي مسؤول مكتب الأمن (اطلاعات مريوان) في مركز التدريب العسكري  بمدينة مريوان. دخل الرجل إلى المركز الذي جمع فيه نحو 500 عراقيا لجأوا إلى إيران في تلك الأيام وهو يقود سيارة تويوتا مسروقة من الكويت، استخدمها الجيش العراقي ووصلت بطريقة ما إلى الرجل الإيراني الغامض. ونجح بابتسامته المعلّقة فوق لحيته الغامضة في إقناع جمع الثائرين على صدام الهاربين إلى إيران في أن يسلموا كل ما عندهم قبل نقلهم إلى مركز إيواء اللاجئين في مدينة كرج جنوب طهران العاصمة.

تعلمت الدرس المر من الكاظمي الملتحي الباسم، لا تصدق أبدا ما يقوله أي موظف حكومي إيراني، فهو يقول ما لا يعني، ويبتسم حين يكشر عن أنيابه، ويعبس حين يمعن التفكير. وإذا منحك شيئا فهو مقدمة لكارثة ستصيبك، ويريد أن يبرّئ ضميره منها مقدما.

رست بي سفينة اللجوء ممزقة الأشرعة إلى مخيم إبراهيم آباد الواقع شمال مدينة آراك وسط إيران. معي في المخيم  نحو 300 عائلة من مختلف عشائر جنوب العراق، هربوا وأسرهم من بطش قوات الحرس الجمهوري التي هاجمت مدن الجنوب المنتفضة.

الرزق ضيق، والعراقي ممنوع من كل شيء

لا يحق للاجئ في إيران العمل المحترم لأنه ينافس الإيرانيين في رزقهم الضيق، ولا يحق له الاختلاط بالمجتمع الإيراني، ولا يجوز له الدراسة في الجامعات والمعاهد الإيرانية ولا يحق لأبنائه الدراسة في المدراس الإيرانية. والأغرب لا يحق له الزواج من امرأة إيرانية والعكس صحيح.

هربت من المخيم، لأعيش مشردا لا أحمل مستمسكا قانونيا في أروقة مدينة قم باحثا عن عمل لن أجده سوى في المؤسسة الدينية. كعراقي أمامك طريقان، إما تكون جزءا من أحزاب المعارضة الشيعية العراقية (حزب الدعوة، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية "بدر" ، منظمة العمل الإسلامي)  وإما أن تعمل في المؤسسات الدينية العراقية وهي بالعشرات تنتشر في مدينة قم حصرا وترتبط بالمرجعيات الشيعية النجفية والكربلائية.

القلة التي تخرج عن هذين الخيارين تعمل مع مكاتب المخابرات الإيرانية الكبرى الأربعة المعروفة آنذاك وهي: قراركاه رمضان، قراركاه الحمزة سيد الشهداء، وقراركاه خاتم الأنبياء، وقراركاه عاشورا.

زنزانات الصمت أو ثكنات السباه!

كان بعض العراقيين يختفون فجأة دون أثر، وعرفنا لاحقا أنهم أما يُجندون لصالح أجهزة الأمن بحسب مستويات ولائهم (ولا يُنظر بجدية إلى كفاءاتهم، فالولاء لخط ولاية الفقيه فوق كل شيء)، أو يُعتقلون في سجن ايفين أو في الستاد المشترك (مقر العمليات المشتركة) بِتُهَم مختلفة أقلها التجسس على النظام! ويسجنون في زنازين منفردة يقضون فيها شهورا طوالاً، ويستبعدون بعدها إلى العراق ليواجهوا مصيرا مجهولا. ثم عرفنا بأن أسلوب التعذيب المتّبع والذي لا يترك أثرا هو الصمت، زنزانة الصمت حيث لا يجوز للمعتقل أن يفتح فمه، فتذوي أوتار حنجرته ولا يعود قادرا على الكلام. وهناك من تحدث عن معتقلين منذ 20 سنة في زنزانات الصمت لم يعودوا يدركون الفرق بين السنين والفصول ولا يعرفون كم بلغوا من العمر.

في هذه العجالة كيف لي أن أوجز قصة 13 عاما من الخوف والحزن والبكاء والعويل على من قتلوا قبل 1400 عام دون أن يحق لي البكاء على ما جرى لي. كنت أرى أبناء العراقيين يفقدون الأمل فيتطوعون للعمل كمقاتلين في صفوف السباه أو الباسدران ليقاتلوا في أراضٍ بعيدة دفاعا عن عقيدة غامضة ترتبط بالابتسامات العالقة فوق لحى المعممين.

اكتشفت خلال كل سنين العذاب أكذوبة "الإيرانيون يحبون شيعة العراق" بالعكس، فهم يرون أنّ فارس هي أرض التشيع، ويرون شيعة العرب بمجملهم غير متدينين وكذّابين ومنافقين، وإذا خضت مع أحدهم نقاشا وأفحمته بأن النجف هي أرض التشيع والنجف عراقية يقول لك، ولكن النجف (الكوفة) هي من غدرت بالإمام علي وقتلته، وأهل الكوفة هم من عاهدوا الإمام الحسين وغدروا به فقتله الجيش الأموي.

كل إيران كانت سجنا يعتقل العراقيين الذين خُيروا بين الولاء للجمهورية الإسلامية وخط الولاية وما حولها من أحزاب المعارضة العراقية، وبين العيش مهمشين على دخل شهري لا يتجاوز 60 دولارا في الشهر!! وبين التهديد بإعادتهم إلى نظام صدام حسين الذي كان سيفتك بهم بالتأكيد.

أما سؤالك ماهي أجمل لحظة لي في إيران فجوابي هو: لحظة مشهد الهجوم على برجي التجارة العالميين في نيويورك وعلى مبنى البنتاغون في 11 سبتمبر2001، حيث شعرت من لغة الإعلام الإيراني والعراقي آنذاك أنّ لهما يداً طولى فيما جرى، وكنت متيقنا أنّ ساعة إسقاط نظام صدام والنظام الإسلامي في إيران قد أزفت بعد أن انتهت مرحلة سياسة الاحتواء المتفق عليها. لذا فإن عمليات تحرير العراق عام 2003 لم تكن مفاجئة، وإسقاط نظام صدام حسين هو الذي فتح أبواب السجن الإيراني مترامي الأطراف فعاد عشرات ألوف العراقيين  إلى الحرية، وأفلت مئات ألوف الأفغان إلى العالم الأوسع. ما تبقى هو لحظة إسقاط نظام إيران، متى تحين؟

قاسم المرشدي - إعلامي عراقي لجأ إلى إيران في تسعينيات القرن العشرين. Foto: Privat
قاسم المرشدي - إعلامي عراقي لجأ إلى إيران في تسعينيات القرن العشرين: "لا يمكن لإيران أن تكون بلدا بديلا للوطن الطارد وهنا الحديث عن العراق".

قاسم المرشدي - إعلامي عراقي لجأ إلى إيران في تسعينيات القرن العشرين

لا تخلو تجربة الهجرة لدولة ذات تاريخ وحضارة من فائدة، وإيران فتحت أبوابها للعراقيين الهاربين من نظام صدام حسين دون شروط، أو طلب فيزا، وفي نفس الوقت إيران لم تسمح للعراقي بحق العمل القانوني والدراسة أو التملك والزواج والارتباط القانوني بمواطنة إيرانية ولهذا وجدنا آلاف العراقيين الذين هاجروا لإيران بعد أن مسهم ضر نظام صدام حسين يفكرون بالهجرة منها بحثا عن مستقبل واضح وآمن لأبنائهم الذين حرموا من التعليم والدراسة باللغة العربية، ففي إيران لا توجد مدرسة ابتدائية مرتبطة بالنظام التعليمي بعهد صدام حسين أو بعهد من جاءت بهم أمريكا للسلطة عام 2003 وأغلبهم كان يُقيم في إيران. وبالتالي لا يمكن لإيران أن تكون بلدا بديلا للوطن الطارد وهنا الحديث عن العراق.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : الهجرة واللجوء شرقا وغربا...خواطر شخصية ومشاهدات ذاتية

موضوع مخربط وغير مربوط، لم افهم شي منه، الكاتب غير واضح، يعني هو مع ايران ولا ضدها ومع السعودية ولا ضدها ومع أوروبا ولا ادري أي شيئا يقول؟

عبد الباقي الجحيشي04.05.2016 | 20:49 Uhr

الهجرة العراقية الصعبة الى رفحة، كانت فعلا كالمستجير بالرمضاء من النار، فخلفنا كان جنود الحرس الجمهوري الخاص ينصبون منصات اعدام الثائرين، وامامنا الدرك السعودي يسوقنا بالعصي الى المنفى. قضيت هناك 7 سنوات مرة، ولولا موافقة الولايات المتحدة التي منحتنا اللجوء لمت هناك وتحولت الى رمل. موضوع رفحاء ييعود اليوم في العراق الى ساحة النقاش، فهم يريدون ان يحرموا اهل رفحة من حقوقهم التقاعدية، و رغم ان تلك الحقوق لم تشملني، لأني لست مناضلا في الاحزاب الدينية، لكني ارى ذلك ظلما في حقهم.

محمد الحمداني21.07.2017 | 17:36 Uhr

انظر لكل من حصل على لجوء شخص ذو حظ عظيم واتمنى انا احصل ايضاً على لجوء لانه في بلدي سوريا نسينا مامعنى الحرية بلفكر وبأبسط حقوق الانسان

رولا26.07.2017 | 01:31 Uhr

هذه العبارة تلخص كل مأساة العراقيين، لاسيما الشيعة منهم الذين احسنوا الظن بالدولة الشيعية إيران فعاشوا فيها سنوات العذاب والجمر" كعراقي في إيران أمامك طريقان، إما تكون جزءا من أحزاب المعارضة الشيعية العراقية (حزب الدعوة، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية "بدر"، منظمة العمل الإسلامي) وإما أن تعمل في المؤسسات الدينية العراقية وهي بالعشرات تنتشر في مدينة قم حصرا وترتبط بالمرجعيات الشيعية النجفية والكربلائية." شكرا للكاتب أمير علي حيدر الذي يبدو من اسمه شيعيا على هذه الشهادو النابضة بالحقيقة.

سيد علي عبد الحسين03.12.2017 | 14:12 Uhr

ما كتله السوري محمد مطرود يلخص هم المثقفين، ليته حدثنا عن هموم الناس الذين اكتسحتهم احزاب قطر والسعودية وايران وقضت على علمانيتهم، حتى بات وصف العقل والعلمانية لصصيقا بالنظام يختص به فحسب."حالة التقزيم التي كنا فيها جعلتنا ننظر إلى كل مختلف عنا على أنه أكبر وأهم. أما بفعل القرب الذي نحن فيه اليوم وفرض علينا فرضاً فقد صرنا ندفع عن أنفسنا بالتي هي أحسن"

عدل بلنس بنهود03.12.2017 | 14:15 Uhr

الصفحات