أشباح الماضي

لاحقت معظم الأفلام المشاركة قضايا عالقة، حاول خلالها المخرجون إعادة الاشتغال عليها، محاورتها ومعالجتها أو التصالح معها.

في "اصطياد الأشباح" للفلسطيني رائد أنضوني الذي نال جائزة السيناريو، يعمل المخرج مع مجموعة من الأسرى الفلسطينيين السابقين من أجل إعادة بناء مركز التحقيق الإسرائيلي الذي سجنوا فيه معاً، لم يكن أحد يعرف ما يبدو عليه المكان حيث كانوا معصوبي الأعين على الدوام، لكنّ الفيلم يتناول بعداً نفسياً لشبح الأسر الذي ما زالوا يعايشونه بعد سنوات طويلة من إطلاق سراحهم.

أما "الانتظار" الذي حاز على جائزة ابن بطوطة الكبرى للمهرجان، يُصوّر المخرج السويدي إيميل لاغبال قصة فتاة أفغانية وأسرتها التي ما زالت تنتظر الإجابة على طلب اللجوء رغم مرور ست سنوات.
في السياق ذاته جاء فيلم "ديستركت زيرو"، للإسبانيين بابلو توسكو وبابلو أرابورب وجورجي فرنانديز مايورال، يوثق الحياة اليومية لمتجر صغير لبيع الهواتف الجوّالة في أحد أكبر مخيمات اللاجئين في العالم من خلال التساؤل حول " ما يمكن للهاتف أن يكشفه لنا من عوالم اللاجئين؟" الهاتف يحتوي على أدلة لذكريات لاجئ وماضيه وقائمة معارفه من عالم هرب منه.

فيلم "العدوّ الخفي" للمغربي رشيد قاسمي يحاول الإجابة عن دوافع الشباب المغاربة إلى التطرف الديني، ويتتبع المخرج في فيلمه شخصيات مغربية -مثل الشيخ السلفي عبد الكريم الشاذلي، والباحثة في الفكر الإسلامي أسماء المرابط، والمدرب الرياضي عزيز باغوغ الذي درّب أحد منفذي هجمات الدار البيضاء- للتنقيب أكثر حول هذه الأسباب.

إعلان مهرجان أوروبا-الشرق في المغرب. الصورة: الجمعية المغربية للدراسات الإعلامية والأفلام الوثائقية.
هل الفيلم الوثائقي العربي قادر على الاستقصاء؟ يجيب منتصر مرعي، مدير التطوير الإعلامي في معهد الجزيرة للإعلام، لموقع "قنطرة" بأنّ "المنتج أو مخرج الأفلام في العالم العربي لا يتوفر على الرفاهية التي تمكِّنه من القيام بالاستقصاء والبحث الكافي قبل بناء الفيلم. وجود ميزانية مناسبة عامل مهم تتيح للمنتج أو المخرج أن يعطي وقتا أطول وجهدا أكبر في البحث والاستقصاء. عندما تتوفر ميزانية محدودة لفيلم ما فإنها غالبا ما يُنفَق الجزء الأكبر منها على عملية الإنتاج (التصوير والمونتاج)".

أمّا فيلم "دماء على نهر السين" للمغربي مهدي بكّار، الفائز بجائزة "الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة"، فينبش في مجزرة باريس التي وقعت عام 1961 ونفذتها الشرطة الفرنسية ضد مئات من المدنيين الجزائريين العزل، وتناول تفاصيل مهمة من خلال شهادات ضيوف عاشوا وشهدوا المجزرة.

في البقعة الجغرافية ذاتها، فرنسا، أجرت الأخيرة 193 تجربة نووية في بولينيزيا بين عامَيْ 1966 و 1996. وخلال هذا الوقت، عاش موظفون وعسكريون من البرّ الرئيسي الفرنسي وبولينيزيا على الجزر المرجانية، وبعد سنوات أصيب بعضهم بسرطانات متكررة.

على الرغم من إنكار الجيش لذلك، ظلّ العلماء على يقين من أن قربهم من الانفجارات هو سبب مرضهم. هذا ما يستعرضه فيلم "قُبلة جيدة من مورورا" للجزائري العربي بن شيحا، إضافة إلى التشوهات الوراثية المنقولة بسبب الإشعاعات.
فيلم "زهور من البيتومين" الحائز على جائزة التفرد يُصوّر حياة ثلاث فتيات، شيماء وأميمة وشمس، لا يعرفن بعضهنّ ولكنهنّ من نفس الجيل وولدن في زمن ديكتاتورية بن علي. هُنّ مراهقات من ثورة الياسمين (2011) ويجسدن الفوارق الدقيقة والمعارضة أحياناً والمكملة دائما لصراع مشترك حول حرية المرأة في بلدها.

في دائرة الصراع يأتي فيلم "لا مكان للاختباء" ويعرض قصة الممرض نوري شريف خلال خمس سنوات من التغيير الجذري، الذي يعمل بمنطقة "مثلث الموت" وسط العراق، ويقوم بتصوير قصص الناجين وأملهم في مستقبل أفضل مع انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف من العراق في عام 2011، لكنّ النزاعات تستمر مع الميليشيات العراقية، و يغادر السكان مع معظم موظفي المستشفى تلك المنطقة.

المخرج الفلسطيني رائد أنضوني. الصورة: مهرجان "أوروبا-الشرق للفيلم الوثائقي" في المغرب
إعادة بناء مراكز التحقيق الإسرائيلية: في فيلم "اصطياد الأشباح" للفلسطيني رائد أنضوني الذي نال جائزة السيناريو، يعمل المخرج مع مجموعة من الأسرى الفلسطينيين السابقين من أجل إعادة بناء مركز التحقيق الإسرائيلي الذي سجنوا فيه معاً، لم يكن أحد يعرف ما يبدو عليه المكان حيث كانوا معصوبي الأعين على الدوام، لكنّ الفيلم يتناول بعداً نفسياً لشبح الأسر الذي ما زالوا يعايشونه بعد سنوات طويلة من إطلاق سراحهم.

أمّا فيلم "الأَرْز والصلب" لمخرجته فاليري فانسون من لبنان فيتحدث عن قصة مدينة تعيش حالة تحطيم لذاكرتها المكانية- التقليدية. تلجأ المخرجة إلى قلب بيروت، بالتحديد إلى مبنى قديم على الطراز الاستعماري، يعيش أهله فيه مثل عائلة كبيرة، يتبادلون قهوة الصباح وإقامة الحفلات وسط أبراج فاخرة تغزو المدينة وتظلل أفق السماء.

فانسون تَتَتَبَّع عملية هدم المباني التقليدية شبه اليومية حتى يتم بيع ذاكرة بيروت لأفضل مشترٍ، فـفيلم "الأرز والصلب" هو رحلة إلى بلد الأرز المهدد بالانقراض، إلى نضال الناس من أجل الحفاظ على هويتهم.
أما فيلم "رومي يلتقي بفرانسيس" فهو قصة لبيمان تادايون موسيقيّ إيراني مستقر بإيطاليا يستغلّ قوته ومعارفه من أجل إيجاد حلول لمشاكله بإثارة شخصيات تاريخية من القرن الثالث عشر، يتذكر قصائد للشاعر الصوفي جلال الدين الرومي وشاعر المسيحيةالقديس فرنسيس الأسيزي من أجل كتابة وتأليف موسيقى تسمح لهم باللقاء بنفس العمل، وارتأت لجنة التحكيم أن تمنحه تنويهاً خاصاً.

يعتمد الفيلم الوثائقي على قصة وشخصيات حقيقية، لكنّه ينطوي على وجهة نظر المخرج في كيفية تقديم الحقائق للجمهور. وقد يتناول البعض موضوعي الهجرة والإرهاب كظواهر كما هي، والبعض الآخر يحاول الوقوف على جذور المشكلتين والأسباب، لكنَّ مرعي يعتقد أنّ "مظلة مهرجان أوروبا الشرق يؤمن ببناء الجسور وليس بحفر الخنادق، وبتقريب وجهات النظر والتأكيد على إعادة تعريف الإرهاب دون إدانته في مكان وتجاهله في مكان آخر، وأيضا عدم إدانته دون النظر في جذوره والمسؤول عنها".

 

وصال الشيخ

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.