عازف الكلارينيت والملحن السوري كنان العظمة أمام الممثلين والإدارة الفنية لمسرح أوسنابروك في ألمانيا.

مهرجان المشرق في أوسنابروك الألمانية
"أغانٍ لأيام قادمة" مسرحية سورية موسيقية

افتُتح مهرجان المشرق 2022 بالعرض الأول لعمل مسرحي موسيقي عنوانه "أغانٍ لأيَّام قادمة" للملحن السوري كنان العظمة. فكيف تناول أحداث سوريا 2011 وما بعدها؟ ماريان بريمر شاهد المسرحية لموقع قنطرة.

يتحرَّك كنان العظمة ببطء على خشبة المسرح. ويعبر من أمام سامي، بطل المسرحية الجالس على كرسي أمام جدار معدني مرتفع ويحدَّق في الفضاء بمزيج من اللامبالاة واليأس. وخلال لحظات قليلة، يثير كنان العظمة بعزفه على آلة  الكلارينيت سلسلة كاملة من المشاعر، التي يمكن لهذه الآلة أن تثيرها. ويمتزج رثاءٌ وأمل في نغماته الرباعية المضبوطة بدقة، ويبدو أنَّها تحتوي بالفعل على كلِّ شيء سيظهر خلال التسعين دقيقة القادمة من هذه المسرحية.

ويرافق العازفون في حفرة الأوركسترا كنان العظمة بإيقاعات رومانسية عربية ويخلقون من خلالها المشهد الصوتي لعرض تطلب الكثير من هذا المسرح الألماني الشمالي ذي الحجم المتوسِّط. يعتبر تأليف كنان العظمة الموسيقي "أغانٍ لأيَّام قادمة" أكبر إنتاج أقدم عليه مهرجان المشرق الموسيقي في مدينة أوسنابروك الألمانية بإدارة ميشائيل دريَر في تاريخه.

ويعتمد هذا العمل المسرحي الموسيقي على خمس عشرة قصيدة من شعراء سوريين معاصرين تعالج بأبياتها آلام الحرب الأهلية السورية. وهؤلاء الشعراء هم من دائرة أصدقاء كنان العظمة، الذي كان على اتصال بهم أثناء تكوينه عمله هذا. وتشكِّل أبيات هذه القصائد الأساس لثلاث دورات غنائية ونصّ من تلحين كنان العظمة. وكلمات هذه الأغاني كلها باللغة العربية لكي تنقل إلى الجمهور إحساسًا بجمال هذه اللغة ولحنها.

عودة رائعة

امتلأ مسرح أوسنابروك حتى آخر مقعد فيه مع بداية مهرجان المشرق الموسيقي لهذا العام 2022. وكانت الأجواء مفعمة بالتوقُّعات. وبعد أن كان لا بدّ من إقامة هذا المهرجان الخاص بالموسيقى الشرقية، والذي على الأرجح أنَّه هو الأشهر من نوعه في أوروبا الوسطى، إمَّا عبر الإنترنت أو بشكل مُقلَّص خلال عامي الجائحة الأخيرين يبدو افتتاحه هذا العام عودةً رائعة. 

 

 
 

ويجسِّد كنان العظمة في عمله الموسيقي "أغانٍ لأيَّام قادمة" آثار العنف والصدمات على الناس العاديين باستخدامه قصة المواطن السوري سامي، الذي أدَّى دوره ببراعة الممثِّل الألماني يان فريدريش إغَرز، ويرمز إلى مصير أعداد لا تحصى من السوريين، الذين اهتزّت حياتهم بوحشية من خلال الحرب الأهلية.

وتعرض المسرحية ذكريات من حياة سامي ضمن سلسلة من مشاهد مؤرقة - بدءًا من عدم جدوى حياته المهنية المتجمِّدة كموظف حكومي، والتي أشعلت صراعًا داخليًا في سامي حتى قبل فترة طويلة من بدء الحرب. وتدفعه إلى اليأس بشكل متزايد أفكار التردُّد في داخله وخاصةً أمام النساء اللعوبات في فساتينٍ فضفاضة.

ومع اشتعال الحرب، ينهار واقع سامي أكثر ويصبح ضجيج الأصوات على خشبة المسرح أكثر فوضويةً باستمرار. وتتم إعادة سرد لحظات من مجريات الحرب في شذرات متنوِّعة - مثل هيمنة الحكم الاستبدادي وفظاعة القصف الإرهابي وخوف الناس المؤلم على مستقبلهم الخاص.

وفي مشهد من أكثر المشاهد إثارةً، تروي المسرحية قصة حفل زفاف سامي. ويتولى العزف في هذا الحفل عازف الكلارينيت كنان العظمة وعازف العود عصام رافع - الاثنان يعيشان الآن في نيويورك. ويقوم أعضاء جوقة أوبرا أوسنابروك بدور المحتفلين المرحين. ولكن حالة الفرح والمرح في البداية تتحوَّل فجأةً إلى مأساة بسبب القصف. ويصبح فستان العروس الآن ملطخًا بالدماء، ويرمز لكلِّ ما دمَّرته الحرب من حياة وأحلام.

وهنا تقوم المغنِّية السورية ديما أورشو، وهي أيضًا وجه معروف في مهرجان المشرق الموسيقي، بترتيل ترانيم رثاء ويداها مرفوعتان نحو السماء. وهذا اللحن الساحر مستوحى من قصيدة كتبها الشاعر السوري عارف حمزة في عام 2013، ويقول فيها: "نصف قمر يسطع الآن فوق مدنٍ / لم يبقَ فيها أحد ...".

ومن خلال تركيزه على الشعر فإنَّ "أغانٍ لأيَّام قادمة" يحتفل أيضًا باللغة العربية - على الرغم من المرارة التي يتركها هذا العمل المسرحي الموسيقي، الذي يتجاوز الحزن على ما ضاع ليبرز قدرة الفنِّ السوري على الصمود. ومن أجل نطق القصائد بالشكل الصحيح، تلقَّى أعضاء جوقة أوبرا أوسنابروك تدريبًا لغويًا لشهور. وعلى الأرجح أنَّ قائد الأوركسترا دانيال إنبال قد تدرَّب على التفاصيل الدقيقة لهذا الأسلوب الموسيقي العربي. وكما شاهدنا في هذا المساء فإنَّ جهودهم كانت مثمرة.

كرات تنس الطاولة كرمز للاحتجاج

وفي مشهد المسرحية الختامي، تتساقط من سقف المسرح كرات تنس الطاولة - في إشارة إلى حملة احتجاجية لناشطين سوريين قاموا خلال الحرب الأهلية بكتابة رسائل مثل "الحرِّية!" أو "أنت وأنا إخوة" على كمية ضخمة من كرات البينغ بونغ من أجل إقناع الجنود الموالين للنظام بإلقاء أسلحتهم في هذه الحرب، التي يخوضونها ضدَّ أبناء شعبهم. وقد تم حينها إلقاء الكرات في شارع شديد الانحدار يقع بالقرب من القصر الرئاسي في دمشق.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة