وفقا لشعار المهرجان هذا العام "العشيقة البعيدة" لم تتمركز الأجندة على بيتهوفن الذي نعرفه ثوريا خلاقا ابتكاريا في إنتاج السيمفونيات والسونات والرباعيات. هذه المرة شاءت مديرة المهرجان المنحدرة من سلالة الموسيقي الكبير ريشارد فاغنر إظهار الوجه "الداخلي" لبيتهوفن أي لعواطفه وانفعالاته فاختارت مجموعة الأغاني التي لحنها بيتهوفن تحت عنوان "إهداء إلى العشيقة البعيدة"، التي أظهرت انتقاله من المرحلة الكلاسيكية المحضة إلى الإبداع التحديثي الجريء الذي بدأ يقترب خطوة بخطوة من العهد الرومانسي.

 

عبرت سيمفونية بيتهوفن الرابعة عن هذا التحول غير المنتظم منهجيا فجاءت شعلة من الأحاسيس والعواطف المؤججة على عكس السيمفونية الثالثة التي سبقتها والتي اتسمت بالنزعة الثورية البطولية المبنية على التضامن الأممي. صلب الثالثة بني على يقين منه سرعان ما تبدد بكون نابليون ليس غازيا بالمفهوم القومي بل قائدا للإنسانية. ولعل الخيبة التي حلت ببيتهوفن نتيجة لغزوات الامبراطور الفرنسي في أوروبا والمشرق هي التي دفعته ولو مرحليا إلى اعتماد نهج الرومانسية العاطفية.

لم تقتصر المقطوعات الرومانسية على بيتهوفن وحده بل شملت موسيقيين آخرين معاصرين له وإن لم ينعموا بالشهرة رغم إبداعهم الفني مثل الإيطالي فرناندو مايير والفرنسي كسافير بواسيلو، اللذين أظهرت الأغاني الرومانسية التي لحناها مدى تأثير الموسيقى الإيطالية والألمانية على فرنسا وعلى وجود تأثير متبادل أيضا بين أعمالهما شبه المغمورة وأعمال بيتهوفن. وكانت فرنسا قد تأثرت في حقبة سابقة بموسيقى الباروك التي برع فيها الألمان والايطاليون كذلك مثل باخ وتيلمان وفيفالدي والبينوني.

مقطوعات رومانسية وأحلام ثورية

عزفت في المهرجان عدة سيمفونيات لبيتهوفن فقد سبقت الإشارة إلى السيمفونية الرابعة كما عزفت فيه السابعة والثامنة. ذكرنا بأن الرابعة جاءت رومانسية الطابع وهربا من الأحلام الثورية البطولية التي جسدتها الثالثة. كذلك تلت الثامنة قمة أعماله أي التاسعة التي تركت آثارا غير مسبوقة على الأعمال الموسيقية واعتمدت على نصوص وملاحم للشاعر الألماني الشهير فريدريش شيلر وأصبحت اليوم الرمز الموسيقي لحركة الوحدة الأوروبية وتحديدا للاتحاد الأوروبي.

السيمفونية الثامنة جاءت كحال الرابعة بعيدة عن الأجواء البطولية واتسمت برومانسية الحنين. سبق أن ذكرنا بأن بيتهوفن قضى معظم حياته في العاصمة النمساوية فيينا. لكن الحنين لمسقط رأسه بون ظل قائما لديه ولم تسمح له ظروف حياته وعمله بزيارة بون إلا مرات نادرة. ويقال إنه ظل طيلة عمره حريصا على الاحتفاظ بلكنة سكان منطقة الراينلاند.

ويرى علماء الموسيقى في سياق مجالي الحنين والرومانسية بأن السيمفونية الثامنة جاءت كما لو فتح المرء شباك منزله الواقع في طبيعة خلابة ليرى مناظر الأنهار والغابات ويسمع الأصوات العذبة للطبيعة والطيور. أي أن هذه السيمفونية اتسمت بملامح رومانسية أكثر منها كلاسيكية بالمفهوم التقليدي.

موسيقى بلا غناء وغناء بلا موسيقى

عرض المهرجان هذا العام كذلك أغانيَ سبقت العصرين الكلاسيكي والرومانسي باعتبار أن هذا "الملف" شكل حجر أساس المهرجان. والجدير بالذكر أن موسيقى العصور الوسطى وعصر النهضة نادرا ما عرفت مقطوعات موسيقية لم يرافقها الغناء كعنصر أساسي للفن. هناك أيضا نمط أكابيلا أي الغناء غير المصحوب بالموسيقى وهو نمط ما زال قائما اليوم وتعود جذوره إلى عقود عديدة سابقة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة