الغلاف الألماني لكتاب الباحثة الألمانية غودرون كريمر "مهندس الإسلاموية - حسن البنا والإخوان المسلمون".

"مهندس الإسلام السياسي"
كتاب ألماني عن حسن البنا والإخوان المسلمين

تحت العنوان الألماني "معماري الإسلاموية" كتبت غودرون كريمر (باحثة ألمانية بارزة في العلوم الإسلامية) سيرة معمقة عن حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين. المؤرخ جوزيف كرواتورو قرأها لموقع قنطرة.

في أواخر القرن التاسع عشر، كان العالَم الإسلامي خاضعًا في كثير من أجزائه للقوى الاستعمارية الغربية. وكان هذا التواجد ملحوظًا بشكل خاص في مصر، حيث ضمنت بريطانيا منذ عام 1882هيمنتها على البلاد لعقود طويلة. وكانت فرنسا شريكة في إدارة شركة قناة السويس وكان لها أيضًا تأثير ثقافي هائل على العلمانيين المتعلمين في مصر.

أما بين أوساط المتدينين، فقد أدت المواجهة مع الأفكار والسلوكيات الأوروبية إلى تشدد في السلوكيات الإسلامية المحافظة. ورغم ذلك، فقد استقبلت الدوائر ذات التوجه الإصلاحي دوافع التحديث وسعت إلى إعادة تقييم تقاليدها الموروثة بهدف جعل المجتمع المصري أكثر "إسلامية".

منذ سن مبكرة، كان حسن البنا، المولود عام 1906 في بلدة المحمودية الصغيرة بمحافظة البحيرة، القريبة من الإسكندرية، مفعما بوعي يشبه وعي من يكلف بالرسالة. ونمت جماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها البنا عام 1928 في مدينة الإسماعيلية على قناة السويس، على مدى العقدين التاليين؛ لتصبح فاعلا مهماً في الحياة الاجتماعية لبلد النيل. ولم يفقد التنظيم أهميته أيضا حتى عندما تعرض لقمع واسع بعد اغتيال الأب المؤسس له في عام 1949، ولا يزال هذا هو حال التنظيم في مصر حتى اليوم.

مقاومة الاستعمار

الإخوان المسلمون، الذين أصبحوا فاعلين بقوة أيضا خارج مصر بعد وفاة البنا، كُتب عنهم الكثير، وكانت أغلب تلك الكتابات منحازة، ومع ذلك، لا توجد حتى الآن سيرة ذاتية شاملة، تعتمد على أسس سليمة لمؤسسها.

 

الباحثة الألمانية غودرون كريمر أستاذة الدراسات الإسلامية بجامعة برلين الحرة - ألمانيا. Prof. Dr. Gudrun Krämer, emeritierte Professorin für Islamwissenschaft der Freien Universität Berlin; Foto: picture-alliance/dpa/J. Stratenschulte
أول سيرة ذاتية "شاملة" لحسن البنا: الباحثة الألمانية غودرون كريمر، أستاذة الدراسات الإسلامية المتفرغة بجامعة برلين الحرة، تسلط الضوء على الأسس الفكرية التاريخية والبيئة الاجتماعية والسياق السياسي للإخوان المسلمين، وترسم بالكلمات صورة لأنصار حسن البنا ومعارضيه وتميط بهذه السيرة الذاتية اللثام عن فصلٍ مهم ومؤثر في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وبحسب ما يقول الناقد جوزيف كرواتورو: "تسمح الدراسة، الغنية بالمصادر، برؤية أكثر تبصرا بكثير من ذي قبل لجماعة لإخوان المسلمين ومؤسس الجماعة التي جرى شيطنتها في كثير من الأحيان".

 

وبكتابها الذي يرسم ملامح شخصية هذا الرجل القوي في تأثيره، والمستحق للقراءة، فإن باحثة العلوم الإسلامية غودرون كريمر تقدم عملا رائدا، ليس فقط فيما يتعلق بسيرة حسن البنا والتطور الذي شهده تنظيمه، بل إنها تلقي الضوء أيضا على الاضطرابات التي شهدتها مصر في النصف الأول من القرن العشرين، والتي اتسمت باضطرابات سياسية واقتصادية قوية بشكل خاص. ولم تكن الحربان العالميتان هما السبب في ذلك فحسب، بل كانت هناك أيضًا المقاومة المتزايدة، والمشحونة دينيًا ووطنيا، ضد الاستعمار، وتبعات تلك المقاومة.

بصفته عضوا في مجموعة من الشباب المتشددين دينيا، كان حسن البنا يسعى بالفعل في مسقط رأسه للدفاع عن "الأخلاق الإسلامية" ضد التأثيرات الضارة مثل التبشيرالمسيحي، وتعاطي الكحوليات والمخدرات، والقمار، والدعارة – التي شن تنظيمه، الإخوان المسلمون، حملة ضدها لاحقًا.

حتى عندما كان شابًا، تأثر حسن البنا بحركة مناهضة الاستعمار، المتنامية في مصر، والتي وصفها، بشكل أكثر وضوحًا ممن قبله من الإصلاحيين الإسلاميين، بأنها "جهاد".

وعلى الرغم من أن حسن البنا، مثله مثل الشخصيات الإصلاحية المُقتدَى بها، قد أولى أهمية رئيسية للتعليم القائم على الكتابات الإسلامية في إعادة تربية المجتمع التي دعا لها، إلا أنه سرعان ما أدرك أن دراستها بعمق ستكون الأداة الخاطئة لإثارة حماس عامة المصريين للإسلام.

التَجَذُّر الصوفي والأصول الصوفية

هذه القناعة نبعت أيضًا من تَجَذُّر حسن البنا في الصوفية، والتي كرست المؤلفة الألمانية لها اهتمامًا مفصلا. فتفضيل الصوفيين للبساطة والعفوية وطقوس الصلاة المصحوبة بالموسيقى والأناشيد كفل لهم قربهم من الناس.

وهذا هو بالضبط ما كان يبحث عنه حسن البنا، الذي، بالإضافة إلى عمله كمدرس للغة العربية والذي استمر حتى عام 1947، انطلق في الإسماعيلية عام 1927 لينشر بين الناس نسخة بسيطة ومفهومة بشكل عام من الإسلام.

ووفقا لذلك، صمم البنا خطبه القصيرة، التي كان يلقيها بانتظام على مقاهي المدينة الواقعة على قناة السويس، والتي أثر فيها الاستعمار، وسرعان ما جعلته هذه الخطب معروفًا لدى الناس البسطاء. ولم يكن المؤسسون الستة لجماعة الإخوان المسلمين من المثقفين، وإنما كانوا عمالا وموظفين وحرفيين، وكانوا في الغالب يعملون في شركات أجنبية. وفي عام 1931 افتتحوا مسجدهم الخاص، وتبعته بعد ذلك بقليل مدرسة للبنين وأخرى للبنات.

حتى ولو كان هناك انضباط حديدي صارم، فقد كان هناك أيضًا اتباع لأصول علم التربية الإصلاحي الأوروبي الحديث، والتي اعتبرها حسن البنا متوافقة مع مبادئ التربية الإسلامية. وعلى غرار هذا النموذج، نشأت الفروع الأولى لجماعة الإخوان في شرق دلتا النيل، والتي، بحسب القدرة، كانت تدير أيضًا مصانع صغيرة كمصانع النسيج أو غزل السجاد.

شارات "مثل نادي الجودو"

بفضل الرحلات الدعوية المكثفة التي كان يقوم بها حسن البنا عبر البلاد، عادةً خلال العطلات المدرسية، تمكنت جماعة الإخوان من التوسع أكثر بعد انتقالها إلى القاهرة في عام 1932 ونشر مجلتها الخاصة أيضًا.

ومع النمو المتواصل للتنظيم، الذي كان محظورا عليه كمؤسسة خيرية أي نشاط سياسي، تمددت في الوقت نفسه هياكله. وبصفته "المرشد الأعلى"، الذي يتمتع بصلاحيات شاملة، أصبح حسن البنا يراقب الأعضاء، الذين تم تقسيمهم إلى ثلاث فئات وعشر رتب، "لكل منها"، كما تقول غودرون كريمر، "واجباتها وشاراتها الخاصة، التي تُمَكّن، كما في نادي الجودو تقريبًا، من التعرف عليهم من النظرة الأولى".

إن الإيحاء أو الإشارة إلى الرياضة ليس مقصودا منه السخرية فقط، لأنه كما توضح المؤلفة، فإن التمرينات البدنية كانت لها أهمية كبيرة لدى الإخوان المسلمين. وترى غودرون كريمر أن جماعة الإخوان، خاصة مع تنظيم الكشافة الخاص بها، شاركت في تمجيد صفات الذكورة المتأثرة بالغرب، لكنها أعادت تفسيرها في الوقت نفسه بطريقة إسلامية: بالنسبة لحسن لبنا، كان النبي محمد أيضًا شكلاً من أشكال الكشافة، كما تقول غودرون كريمر.

وعندما سقطت مصر تحت تأثير الفاشية واتخذت ثقافة الشباب سمات شبه عسكرية، طال ذلك أيضا جماعة الإخوان المسلمين. وبرغم ذلك، وضع حسن البنا نفسه بوضوح كمعارض للأيديولوجيات الفاشية والعرقية البيولوجية: ولم تروج جماعة الإخوان المسلمين لروح الانتماء على أساس العرق أو لون البشرة، لكنهم دعوا إلى الأخوة العادلة بين الناس.

 

 

وبرغم أن هذا شمل أيضًا غير المسلمين، إلا أنه تحت ضغط التوترات السياسية المتزايدة في البلاد، حيث كانت هناك أصوات تتعالى مطالبة بالاستقلال الوطني وكذلك الأسلمة، سرعان ما حدد الإخوان المسلمون أيضا اليهود المصريين كعدو، كجزء من حملتهم ضد "المؤامرة الصهيونية العالمية" في فلسطين وداعمي هذه المؤامرة المفترضين. تلك الحملة، التي جاء كلام الكاتبة عنها في الكتاب مقتضبا جدا نوعا ما، بلغت ذروتها في النهاية بإرسال مقاتلين متطوعين إلى فلسطين للمشاركة في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948.

تمرد صريح على "المرشد الأعلى"

فشلت محاولات بعض رفقاء حسن البنا للترشح للانتخابات البرلمانية، وكان هو نفسه يفكر بصوت عالٍ في الترشح، رغم أنه دعا، باسم الوحدة الإسلامية، إلى حل جميع الأحزاب.

وعلى الرغم من أن جماعة الإخوان المسلمين شهدت نهضة خاطفة خلال الحرب العالمية الثانية بفضل دعم السياسيين المتعاطفين وكان عدد أعضائها يقدر بالفعل بمئات الآلاف، إلا أنها بدأت أيضا تعيش أولى انشقاقاتها. وتعزو المؤلفة فقدان "المرشد الأعلى" التدريجي للسيطرة، والذي كان هناك ضده تمرد صريح (علني) داخليًا، إلى خطه غير المتسق. إذ كان البنا يدعو تارة إلى الجهاد، وتارة إلى التعقل، وأدلى أيضًا بآراء متناقضة حول مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية: وفي عام 1936 وافق على تطبيق العقوبات الشرعية البدنية (الحدود)، لكنه رفضها مرة أخرى في عام 1948. وكان موقفه متناقضا أيضا تجاه الإرهاب، والذي سقط هو نفسه ضحية له في النهاية، بحسب ما تقول غودرون كريمر.

دراسة غودرون كريمر، الغنية بالمصادر، تتيح رؤية أكثر تبصرا بكثير، عما كان حتى الآن، لجماعة لإخوان المسلمين ومؤسسها. وكنا نتمنى أن لو كانت هناك إشارة أو أخرى إلى كيفية قيام جماعة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية القريبة منها بالحفاظ على ميراث حسن البنا اليوم.

 

جوزيف كرواتورو

ترجمة: صلاح شرارة

حقوق النشر: موقع قنطرة 2022

ar.Qantara.de

 

كتاب غودرون كريمر "مهندس الإسلام السياسي ومعماري الإسلاموية  - حسن البنا والإخوان المسلمون" - ضمن سلسلة: المكتبة التاريخية لمؤسسة غيردا هِنكل. 528 صفحة، 34 يورو.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة