* إسقاط الطائرة الأمريكية: رسالة عسكرية وصفعة "تقنية"

إذا كانت إيران قد نفت مسؤوليتها عن حوادث ضرب ناقلات النفط في الخليج ومضيق هرمز، فإنها أعلنت بفخر- كما عبر وزير الخارجية محمد ظريف- عن إسقاط طائرة تجسس مسيرة دون طيار، يوم الخميس 20 يونيو،  قالت طهران أنها تجاوزت حدودها الدولية إلى المجال الإيراني (ونفت واشطن عبورها للمجال الإيراني). عرضت طهران مساراً تفصيلياً دقيقاً للطائرة من لحظة إقلاعها من مطار الظفرة في الإمارات (دلالة على دقة الرصد) إلى لحظة إسقاطها، ثم عرضت حطام الطائرة على شاشات التلفزة في أجواء من الاعتزاز والفخر. ووفق بيانات الحرس الثوري الإيراني فقد تم اسقاط الطائرة باستخدام صاروخ من منظومة (خرداد) الصاروخية الإيرانية محلية الصنع. (وهي مطوّرة محلياً عن منظومات مستوردة).

إسقاط طائرة التجسس الأمريكية المسيرة دون طيار لم يكن صفعة "تقنية" وحسب، بل مؤشراً عملياً على قدرات إيران العسكرية المتطورة وعلى  امتلاكها مضادات جوية نوعية. فهذه الطائرة، من نوع “آر كيو-4 غلوبال هوك”، تعتبر من فخر الصناعات العسكرية الأمريكية، حيث يمتلك الجيش الأمريكي 4 منها فقط،  وهي أغلى ثمناً من أي طائرة مقاتلة أمريكية يزيد ثمنها عن  120 مليون دولار ويبلغ وفق بعض التقارير 200 مليون دولار، وهي مطوّرة عن سابقاتها لميزاتها في التحليق على أرتفاعات شاهقة وقدرتها على الطيران لمدة 30 ساعة متواصلة وقدرتها على التجسس والتصوير في كافة الظروف الجوية. هذه الطائرة مبرمجة للعمل على الأقل من الأن إلى 2050، وتستخدمها وكالة الفضاء الأمريكية، ناسا، أيضاً.

وبهذا التصعيد الإيراني ضد واشنطن وحزم واشنطن في الدفاع عن مجالها الجوي بإسقاط الطائرة تقرر في البيت الأبيض بعد مشاورات مكثفة بين أركان الإدارة بتوجيه ضربة إلى موقع إيراني يتضمن منصة إطلاق صواريخ ورادارات. ألغى الرئيس ترامب الضربة قبل ربع ساعة من تنفيذها بعد الموافقة عليها. متحججاً بأن الضربة كانت ستخلف ضحايا حوالي 150 من الإيرانيين وليست رداً متناسباً مع إسقاط طائرة غير مأهولة بجنود أمريكيين، وكان الرد سيختلف لوكانت الطائرة مأهولة.  كما تبرع ترامب في  محاولة تخفيف وقع الحادثة المهينة  بنسب العملية لخطأ فردي من جنرال ما، متهور وغبي! بينما تبنت القيادات الإيرانية العسكرية والسياسية عملية إسقاط الطائرة  على أنها قرار متخذ وسينفذ كلما كرر العدوفعلته !. 

استمرّ الإيرانيون في إحراجهم لواشنطن بتقديم تفصيل جديد، لم يذكره الأمريكيون، بتصريح أمير علي حاجي زادة، قائد القوة الجوية بالحرس الثوري لوكالة تسنيم للأنباء: كانت هناك طائرة أمريكية من طراز بي-8 على متنها 35 شخصاً مع الطائرة المسيرة في المنطقة. هذه الطائرة دخلت أيضاً مجالنا الجوي وكان من الممكن أن نسقطها لكننا لم نفعل، لأننا حذرناها فتراجعت وخرجت من الأجواء الإيرانية، بينما لم تفعل الطائرة المسيرة ذلك، فتم إسقاطها، لأن هدفنا من إسقاط الطائرة المسيرة كان توجيه تحذير للإرهابيين الأمريكيين”. وكان رد ترامب هذه المرة بشكره لـ"حكمة" الإيرانيين على عدم اسقاطهم الطائرة العسكرية المأهولة بالجنود الأمريكيين! 

 

 

هذه الحادثة تذكرنا بحادثة أسر البحرية الإيرانية لعشرة بحّارة عسكريين أمريكيين في المياه الإقليمية الإيرانية على متن زورقين حربيين بينما كانوا في رحلة بين الكويت والبحرين، في12 يناير 2016. يومذاك تواصل وزير الخارجية الأمريكية جون كيري خمس مرات خلال عدة ساعات مع وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ( كانت تربطهما علاقة عمل جيدة أثناء مفاوضات الاتفاق النووي) الذي لعب دوراً أساسياً في الإفراج عن البحّارة المُحتَجزَين في نفس اليوم (مقابل مماطلة من الحرس الثوري)، من أجل إنقاذ تنفيذ الاتفاق النووي الذي سيبدأ التنفيذ به بعد أيام فقط من هذه الحادثة.  أفرج الحرس الثوري عن الجنود الأمريكيين العشرة وقال في بيان رسمي: "بعد التدقيق، تبين أن دخولهم المياه الإقليمية للبلاد لم يكن عن قصد. وبعد تقديمهم الاعتذار، تم إطلاق سراحهم في المياه الدولية. الولايات المتحدة تعهدت عدم تكرار مثل هذه الأخطاء".

شَكَر جون كيري إيران على تعاونها. إلا أن الحرس الثوري الإيراني صدم الرأي العام الأمريكي  بنشر مقطع فيديوللبحارة الأمريكيين المحتجزين بعد أيام قليلة من الإفراج عنهم  في مشهد مذلّ للجنود الأمريكيين وإهانة بالغة للقوة الأمريكية، حيث يظهر البحّارة الأمريكيون في الفيديو وهم راكعون وأيديهم  مرفوعة على رؤوسهم.

وكرّم  المرشد الأعلى  آية الله علي الخامنئي  عناصر الحرس الثوري الإيراني المشاركين في  احتجاز البحارة الأمريكيين. عبّر جون كيري عن غضبه الشديد من نشر الفيديو، وقال إن الحرس الثوري، وليس الحكومة، وراء نشر الفيديو. وكان دونالد ترامب آنذاك مرشحاً للرئاسة وعبر عن غضبه من الإهانة التي لحقت بالجنود الأمريكيين أثناء خطاب انتخابي له، قائلاً أن ما وقع للجنود الأمريكيين "إشارة إلى المنحى الذي تتجه إليه البلاد أمام إيران".

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.