* أسباب داخلية أمريكية وراء التردد:

  كان الرئيس الأمريكي ترامب قد وعد في حملته الأنتخابية بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران من جهة وسحب الجنود الأمريكيين من العراق وأفغانستان من جهة أخرى، وما زال متمسكاً بالهدفين معاً. ويبدو أن الهدفان لا يسيران في الاتجاه ذاته، فإذا أرادت الإدارة الأمريكية الاستمرار في استرايتجيتها الحالية ضد إيران (الانسحاب من الاتفاق النووي والحصار الاقتصادي الخانق على إيران)، يستلزم منها انخراطاً عسكرياً وميدانياً أكبر وأوسع في المنطقة، مع ما قد يترتب على ذلك من مخاطر اندلاع نزاع شامل في المنطقة وخطورة على أمن حليفتها الأولى إسرائيل وجنودها وقواعدها العسكرية المنتشرة في الخليج. 

من المؤكد أنه لا توجد أجواء حرب في واشنطن لشن حرب واسعة ضد إيران أو غزو برّي، ولا مناخ مشابه لما سبق حرب الخليج 2003، بعد الكابوس الأمريكي من درس العراق وأفغانستان، حيث الخسائر البشرية الكبيرة والتكلفة الباهظة بتريليونات الدولارات. بينما وعود ترامب وسياسته الفعلية هي تقليص الإنفاق على الخارج وجلب المزيد من الأموال من الخارج للخزانة الأمريكية وإنعاش الاقتصاد الأمريكي وعدم الدخول في حروب مكلفة وتحديث، ما يسميه ترامب، البنية التحتية المتهالكة في أمريكا!

والمؤسسة العسكرية مع موقف ترامب في عدم شن هجوم واسع على إيران، وربما حتى ضربة محدودة. وصقور الإدارة مع ضرب إيران ضربة محدودة فقط. وحتى خصوم ترامب من الحزب الديمقراطي لا يؤيدون توجيه ضربات ضد إيران، على العكس، وجدنا أن جو بايدن، نائب الرئيس السابق أوباما، وهو أبرز المرشحين ضمن انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية للسباق إلى البيت الأبيض 2020، ينتقد ترامب على انسحابه من الاتفاق النووي وتسبّبه في أزمة وإخفاقه في حماية "مصلحتين أميركيتين حيويتين في الشرق الأوسط، هما منع إيران من الحصول على سلاح نووي وضمان استقرار إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز"، حسب بيانه. كذلك أبدت نانسي بيلوسي وهي زعيمة الأكثرية الديمقراطية بمجلس النواب سعادتها بأن الرئيس "ترامب" ألغى قرار الضربة ضد إيران المقررة رداً على إسقاط إيران للطائرة الأمريكية.

والإدارة الأمريكية، بل النخب الأمريكية والدوائر الفكرية الاستراتيجية في واشنطن منذ عقود وقبل ترامب، عينها على منطقة شرق آسيا، ومستعدة لصرف موارد كبيرة على التحدي القادم من هناك، عوضاً عن الشرق الأوسط. من أولويات الإدارة الأمريكية الراهنة هي مواجهة صعود العملاق الصيني وحلفائه ومنافسة الصين للولايات المتحدة في التجارة والطاقة وبيع الأسلحة، وتشكيل محور مجابه للإمبراطورية الأمريكية، وانتزاع مناطق نفوذ من الأمريكان.

والمشروع الصيني الطموح “الحزام والطريق، حزام واحد طريق واحد" القائم على فكرة طريق الحرير القديم  يهدف إلى ربط الصين بالعالم، وتوسيع التجارة العالمية من خلال إنشاء شبكات من الطرق والموانئ والمرافق الأخرى والربط بين مناطق وبلدان في قارات آسيا وإفريقيا وأوربا والالتفاف على التهديدات الأمريكية الآتية من القواعد الأمريكية في بحر الصين الجنوبي، هي إحدى المشاريع التي تقلق واشنطن.

 

 

* أمن إسرائيل والخليج:

بين الفينة والأخرى تجري طهران استعراض قوّة لترسانتها الصاروخية المتجددة، وقد نفّذت هجمات صاروخية لمناطق بعيدة نسبية (تتواجد فيها قوات أمريكية أيضاً). إحداها حين أطلق الحرس الثوري الإيراني ستة صواريخ من طراز "فاتح-110" يصل مداها إلى 300 كلم تقريباً، ضد قيادات كردية إيرانية لاجئة في كردستان العراق بتاريخ 28/9/ 2018. انطلقت الصواريخ من داخل الأراضي الإيرانية، ترافقها طائرات مسيّرة للتصوير، لنشر فيديو العملية لاحقاً، وأصابت هدفها بدقة تامة، حيث أصابت الغرفة التي كان يُعقد فيها الاجتماع في مبنى للاجئين الكرد الإيرانيين يضم مئات الغرف، وخلّفت ضحايا كثيرة بين قتلى وجرحى.

الهجوم الثاني كان في 1/10/2018، حين أطلق الحرس الثوري الإيراني صواريخ أرض-أرض (من طراز "ذوالفقار" التي يتراوح مداها بين 700-750 كيلومتر وطراز "قيام" التي يتراوح مداها بين  750-800 كيلومتر)، من داخل الأراضي الإيرانية مروراً بالعراقية إلى مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في منطقة دير الزور السورية. رافقت الصواريخ الستة سبع طائرات "شبح" مسلّحة بدون طيار من طراز "الصاعقة “ضربت المواقع نفسها.

يعتقد على نطاق واسع في أوساط الخبراء والمتخصصين أن إيران طورت ترسانتها من الأسلحة خلال السنوات الماضية، من مصادر كورية شمالية وروسية وصينية، وبخبرات محلية وتكلفة قليلة نسبياً. بحيث باتت أقوى بكثير من قبل عشر سنوات على سبيل المثال. ولا تكف الدوائر العسكرية والأمنية في إسرائيل والغرب من إبراز مخاوفها من امتلاك إيران وحزب الله لصواريخ بالستيّة بعيدة المدى ودقيقة الاستهداف، مع هلع من  احتمال امتلاكها لرؤوس نووية.

بالطبع ليست القضية هنا هي مقارنات عسكرية وتقنية مجردة بين فارق القوتين العسكريتيين وميزانيات وزارة الدفاع بين الدولتين (الولايات المتحدة وإيران)، فالولايات المتحدة تمتلك قوة عسكرية متطورة  كاسحة وماحقة بلا شك وفارق هائل لا يقارن مع ميزانية طهران العسكرية، لكن وسائل الردع والانتقام والإيذاء المتوفرة لدى إيران ليست قليلة أيضاً، والحرب عليها ستكون مكلفة وصعبة ولن تمر دون خسائر أمريكية، أما إسرائيل ودول الخليج الحليفة لواشنطن، والقواعد الأمريكية في العراق وأفغانستان،  فهي تحت مرمى النيران الإيرانية أوميليشياتها. هذا عدا عن التبعات اللاحقة للحرب، إذا اندل

* مضيق هرمز وإمدادات الطاقة:

بوضوح يقول المسؤولون الإيرانيون إن الخطة الأمريكية القاضية بجعل صادرات النفط الإيراني “صفر" (مقابل تكفّل  المملكة العربية السعودية بتصدير كميات تعوّض غياب الصادرات الإيرانية إلى الدول المستوردة) هي غير ممكنة. من خلال قدرة إيران على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يجري عبره توريد ثلث إنتاج النفط العالمي.

وسلوك إيران في مضيق "هرمز" يوجه رسالة مفادها: لن نسمح بمرور النفط أمام أنظارنا في مضيق هرمز ونحن ممنوعون من تصدير نفطنا. إذ أن عائدات النفط عائدات تُمثّل 40% من ميزانية الحكومة الإيرانية، ومقابله تحصل حكومة طهران على 90% من  مدخول البلاد من العملات الأجنبية التي تشتري بها طهران كل شي تقريباً، من الأساسيات إلى الكماليات.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.