* الحرب ليست حتمية:

إن هذا التصعيد الخطير في الخليج وبلوغ التوتر إلى حد المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، لا يعني حتمية الحرب التقليدية، ففي واشنطن؛ ليس هناك أجواء حرب  وهناك رئيس لا يرغب في دفع فاتورة حرب مكلفة في الشرق الأوسط وإدارة عينها على الصين وكوريا الشمالية وروسيا بالدرجة الأولى، وفي طهران ساسة جرى اختبارهم مثل الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف (الذي يعرف واشنطن جيداً وجرّب المباحثات السريّة والعلنية مع إدارتي جورج بوش الابن وأوباما) يعرفون كيفية اجتراح مخارج سياسية بناء على عناصر القوّة التي راكمتها طهران بصعوبة و"صبر استراتيجي" من إمكانات عسكرية  ونفوذ إقليمي، وقدرة على التخريب في المنطقة وإيذاء الخصوم والأعداء وإحباط مخططاتهم والاستثمار في العمليات الإرهابية من خطف طائرات ورهائن ثم المساومة على الإفراج عنهم،  ولن يعدموا وسائل تجنّب بلادهم عواقب حرب مدمرة وفي نفس الوقت تحقيق مصالح بلادهم من غير استسلام وإهانة كرامتهم الوطنية.

 سياسة طهران ليست عَدَميّة وانتحاريّة في نهاية المطاف. وهناك صفحات تعاون سرّي وعلني مع واشنطن وتل أبيب برغم الصراع والعداوة والإيذاء المتبادل، ففي غمرة الشعارات الثورية للنظام الإيراني بعد ثورة 1979م، عن إزالة إسرائيل من الوجود و"الشيطان الأكبر/أمريكا"،  حصل تنسيق سريّ بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وحصلت "طهران" على شحنات أسلحة من واشنطن وتل أبيب أثناء حربها مع العراق، والتي كشف عنها وافتضح أمرها لاحقاً (ما يعرف بصفقة إيران –غيت أو إيران- كونترا). وأمكن لبعض شحنات النفط الإيراني أن تصل لإسرائيل. وأن تعيد طهران الإسلامية صلاتها مع ضباط الموساد ذوي العلاقة السابقة مع طهران من أيام الشاه. وكانت طهران في مباحثتها السرية مع الأمريكان ترسل رسائل أن اليساريين، وليس رجال الدين، هم الذين يقفون وراء احتجاز الرهائن من السفارة الأمريكية في طهران، وأنهم يعملون على جعل طهران ضمن دائرة الاتحاد السوفياتي لذلك فإن المساعدة الأمريكية ضرورية لطهران، كي لا تقع طهران ضمن دائرة  النفوذ السوفييتي.

كما كان لإيران دور حاسم، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، في إنجاح الغزو الأمريكي لأفغانستان وتنصيب حكومة موالية لواشنطن في كابول. وكذلك تعاونها مع واشنطن في احتلال العراق، رغم تغير الموقف لاحقاً حين أدركت طهران أنها باتت محاطة بالجنود الأمريكيين في العراق وأفغانستان.

إن هاجس إيران الأساسي، تصعيداً وتهدئة، ليس المواجهة مع الولايات المتحدة أوإسرائيل، بل نيل الاعتراف منهما بمكانة إيران الإقليمية وسيادتها الوطنية.  

أحد المطلعين عن قرب على كواليس السياسة الإيرانية الخارجية في واشنطن، الأكاديمي الإيراني المولد "تريتا بارسي" رئيس المجلس الوطني الإيراني الأمريكي، يورد في كتابه (حلف المصالح المشتركة) تفاصيل مقترحات رسمية، بموافقة المرشد الأعلى، تقّدمت بها طهران  لإدارة "بوش" الابن بعد ثلاثة أسابيع من احتلال أمريكا للعراق 2003، تقترح تعاوناً كبيراً بين طهران وواشنطن في ملفات عديدة في المنطقة.

ولأهمية الموضوع  هنا نقتبس منه مطولاً. يقول "بارسي": أعدّ الإيرانيون اقتراحاً شاملاً بيّن حدود صفقة ضخمة محتملة بين البلدين تعالج كافة نقاط النزاع بينهما. كتب صادق خرزاي، نجل شقيق وزير الخارجية الإيراني وسفير إيران لدى فرنسا، المسودة الأولى للاقتراح. ثم رفعت المسودة إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية للمصادقة عليها، والذي طلب بدوره من ظريف-السفير لدى الأمم المتحدة- مراجعتها قبل إرسالها إلى الأمريكيين، ووضع اللمسات الأخيرة عليها. لم يكن على علم بهذا الاقتراح ويشارك في إعداده سوى دائرة مغلقة من صنّاع القرار بطهران؛ وزير الخارجية كمال خرزاي، والرئيس محمد خاتمي، والسفير لدى الأمم المتحدة  ظريف، والسفير لدى فرنسا خرزاي، والمرشد الأعلى للثورة علي خامنئي.

 

 

في حوار حول الاحترام المتبادل، عرض الإيرانيون وقف دعمهم لحماس والجهاد الإسلامي والضغط على المجموعتين لكي توقفا هجماتهما على إسرائيل، ودعم عملية نزع سلاح حزب الله وتحويله إلى حزب سياسي صرف. وفتح البرنامج النووي الإيراني بالكامل أمام عمليات تفتيش غير مقيّدة ومشاركة أمريكية كثيفة في البرنامج كضمانة إضافية  وإيماءة على حسن النية، والتعاون الكامل في مواجهة كافة المنظمات الإرهابية، وأهمها القاعدة، والعمل مع الولايات المتحدة على دعم الاستقرار السياسي في العراق، والقبول بخطة السلام العربية مع إسرائيل والاعتراف بحل الدولتين. بالمقابل كان لدى الإيرانيين مطالب تكتيكية وأخرى استراتيجية، على المستوى التكتيكي أرادوا تسلم أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية العاملة في العراق، في مقابل تسليم ناشطين من القاعدة تحتجزهم إيران.

على المستوى الاستراتيجي أراد الإيرانيون التوصل إلى تفاهم على المدى الطويل مع الولايات المتحدة عبر وقف كافة التصرفات المعادية التي تقوم بها أمريكا، مثل خطاب محور الشر والتدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، وإنهاء كافة العقوبات الأميركية، واحترام المصالح القومية الإيرانية بالعراق، ودعم مطالب الإيرانيين بالحصول على تعويضات عن الحرب، واحترام حق إيران بالحصول غير المقيّد على التكنولوجيا النووية والبيولوجية والكيميائية، وأخيراً الاعتراف بالمصالح الأمنية المشروعة في المنطقة. كما أوضحت الوثيقة الإجراءات الخاصة بالتفاوض المتدرّج إلى حين التوصل إلى اتفاقية  تكون مقبولة لدى الطرفين.

وقبل أسابيع  معدودة من تقديم هذه الوثيقة الإيرانية لواشنطن (عن طريق السفير السويسري في طهران) قدم الإيرانيون عرضاً مشابها إلى إسرائيل في أثينا... (تريتا بارسي، حلف المصالح المشتركة/ التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، ترجمة أمين الأيوبي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت لبنان، ط1 2008، ص 123-126، نسخة الالكترونية).

غير أنّ إدارة بوش الابن كانت مُنتَشية آنذاك بالنصر المحقق للتوعلى نظام صدام حسين المتهالك وراغبة في تركيع دول محور الشر كما سماها بوش الابن في2002 م ( العراق وإيران وكوريا الشمالية، توسعت القائمة لاحقاً لتضم سوريا وليبيا وكوبا وفنزويلا...)، ولم تبد أدنى اهتمام بالمقترحات الإيرانية التي وُضعت بسبب مخاوف طهران الكبيرة آنذاك من غزو إيران أيضاً. وبعدما قطعت الأمل من واشنطن، تيقنت طهران أنه لا بد من عدم التهاون في ترك بغداد بيد الأمريكان لوحدهم دون نفوذ إيراني كبير، عن طريق مزيج الإيذاء حيناً والتعاون عند الضرورة.  وهكذا حصل التفاهم المرير المشوب بالتنافس والصراع والعداء في بغداد، نقطة التقاء المصالح بين الخصمين، إيران وأمريكا، حيث لا يمكن لأحدهما إنهاء الآخر في العراق.

ما الذي يمنع أن تلجأ طهران اليوم مجدداً لمثل هذه الدبلوماسية والمساومات على أوراق نفوذها الإقليمية خصوصاً، وهي في مأزق حرج حالياً، وإن كانت في موقع أقوى إقليمياً الأن وواشنطن في موقع أضعف في الشرق الأوسط وأقل هجومية، بالمقارنة مع الوضع في العام 2003م؟

في شأن السيادة والنفوذ الإقليمي؛ ومع تزايد الشقاق الطائفي المذهبي في العالم العربي والاسلامي منذ عقود، نسبُ السياسة التوسعية الإيرانية في إيران إلى نوايا مذهبية شيعية  أومشروع شيعي يسمى أحياناً بـ(الهلال الشيعي) المزعوم والممتد من طهران إلى بغداد إلى دمشق إلى بيروت. وهذا  إسقاط مذهبي على سياسات إيران الإقليمية التي تنطلق من مبادئ وطموحات وطنية/قومية أولاً وأساساً، وهي تسبق فترة وصول "الخميني" والنظام الإسلامي على سدة الحكم في طهران.

وقد تبلورت الطموحات الإقليمية لطهران في فترة حكم الشاه الذي كان يرى أنّ الكلمة العليا في الخليج والشرق الأوسط كلّه يجب أن تكون لإيران بحكم موقعها الجغرافي المميز على الخليج ومقدرتها على التحكم بصادرات النفط، وتاريخها الامبراطوري الفارسي العريق. صحيحٌ أن التشيّع أصبح بمثابة "دين قومي" للجمهورية الإسلامية في إيران، وأن طهران تسخّر وتستثمر في ميول وولاء قطاعات واسعة من المسلمين الشيعة لإيران، وتستطيع إرسال عشرات الآلاف، معظمهم فقراء،  من المسلمين الشيعة من العراق ولبنان وأفغانستان، فضلاً عن الإيرانيين، للقتال في سوريا  إلى جانب النظام السوري تحت رايات وصيحات "لبّيك يا حسين" و"زينب لن تسبى مرتين"، إلا أن وراء كل هذا استراتيجية إقليمية توسعيّة لتأمين المصالح الوطنية/القومية أولاً، لا تنفيذاً لتهيّؤات تاريخية مذهبية.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.