* سيناريو الضربة المحدودة:

بناء على ما سبق، يرجح أن الولايات المتحدة ليست في صدد حرب كبيرة على إيران، ويبقى احتمال توجيه ضربة محدودة انتقامية مدروسة لمواقع حساسة تقضي على مواقع إطلاق صواريخ بالستية متوسطة وبعيدة المدى (أو ضربة استعراضية لمواقع غير حساسة إذا قرر ترامب عدم التصعيد) ودون أضرار كبيرة، وارداً، مع استمرار استراتيجية الضغط الأمريكي على إيران وإضعافها تدريجياً. وقد تأتي الضربة خارج إيران تجنباً لاستفزاز كبير لإيران (والساحة السورية هي أنسب مكان كونها مفتوحة لكل من يريد ضرب خصومه وأعدائه!) حفظاً لماء الوجه داخلياً وخارجياً بالنسبة للإدارة الأمريكية، ودعماً لإسرائيل التي لا تتوقف عن توجيه الضربات على مواقع داخل سورية. حتى في حال عدم شن حرب على إيران، سيكون للجانب الإيراني ردة فعله، ولن تكتف طهران بالصبر على الحصار الاقتصادي إلى ما لأنهاية ولن تنتظر عواقب استراتيجية الحصار عليها في المستقبل القريب وليس البعيد. وكما أعلن المسؤولون الإيرانيون أن العقوبات الاقتصادية عليها هي حرب موصوفة، وليست شيئاً آخر.

وكاحتمال قد تسفر هذه الضغوط والتوترات إلى أن تتوصل إيران إلى هدنة أو حل وسط، من موقع القوة، مع الولايات المتحدة جراء هذه الضغوط، بوساطة أوربية روسية صينية تركية، دون أن تتخلى بسهولة عن سياسة الاستمرار في بناء النفوذ الإقليمي وعوامل الردع، فهي تدرك عواقب التنازل عن تلك العوامل التي قد تعني بداية النهاية للجمهورية الإسلامية الإيرانية ونظام الحكم الحالي.

أما إذا قررت الولايات المتحدة الحرب ضد إيران، أوانزلقت إلى حرب دون قصد بسبب ضربة محدودة محتملة أوإجراءات إيرانية عسكرية غير محسوبة، فإن إيران حينذاك ستقوم بتحريك كافة أوراقها في المنطقة من مبدأ “عليّ وعلى أعدائي". وسيكون لهذا السلوك تبعات خطيرة على مجمل دول وشعوب المنطقة، وعلى رأسها طبعاً إيران وخصومها الإقليميين. 

لا شكّ أن صنّاع القرار والنخبة العسكرية والبيروقراطية في الولايات المتحدة، ينظرون بقلق وغضب إلى التحدي الإيراني الكبير لسياسة الهيمنة الامبرطوارية الأمريكية التي تتصرف بازدراء واستصغار مع غيرها من الدول، الحلفاء و الخصوم والأعداء. بيد أنه، وللعوامل المذكورة أعلاه، لا تستطيع الولايات المتحدة توجيه ضربة قاضية لعدوها الأول في المنطقة. ورغم فعالية استراتيجية الحصار التي تتبعها إدارة ترامب ضد طهران، يبقى "ترامب" في مأزق بعد إسقاط الطائرة والتحدي الإيراني المستمر لهيبة واشنطن؛ فسلوكه كسيد للبيت الأبيض وعلى رأس الإمبراطورية الأمريكية وهولا يخفي استعلاءه  تجاه الدول الأضعف عسكرياً واقتصادياً. ومن جهة أخرى، يقف متردداً أمام الرد على دولة صغيرة تواجه إمبرطوريته وقوته العسكرية الكاسحة.  لا بد من رد عسكري ما، وقد تتغير قرارات واشنطن بعد فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة، وتحلّله من شعاراته الأنتخابية السابقة،  أومجي رئيس آخر، في حال لم يتم التوصل إلى هدنة أو حل سياسي.

* تقديرات واحتمالات:

- من الواضح أن إيران تتصرف في مواجهة الضغوط الهائلة عليها من قبل الولايات المتحدة، من منطلق الثقة والقوة، وحسابات دقيقة لموازين القوى الدولية. ووسط هذه الضغوط المركزة تتعمد إيران الرد العسكري المباشر، وليس السياسي والدبلوماسي فقط، على الولايات المتحدة نفسها ولا تكتفي بتهديد أوضرب حلفائها الإقليميين.

- يكشف التوتر الحالي في منطقة الخليج عن انتقال واشنطن من وضعية  كانت تتيح لها لتكون هي المستفيد الأكبر من تأجيج النزاع بين الدول القوية في المنطقة، لضمان طريق ضمان وصول النفط بالكميات المطلوبة والأسعار التي تناسبها وجني مبالغ طائلة من بيع الأسلحة لدول الخليج العربي، إلى وضع باتت مصالحها المباشرة  في دائرة الاستهداف في الخليج.

- تريد واشنطن جلب إيران، من موقع العجز واليأس، إلى طاولة المفاوضات واتفاق جديد بينما إيران ستكون مستعدة لمفاوضات من موقع القوة.

- لقد راكمت إيران عوامل قوة ونفوذ وردع خلال العقود الماضية في المنطقة، وإيران الحالية ليست إيران في حربها مع العراق، ولا هي عراق صدام حسين المتهالك، أو سوريا بشار الأسد.

- رغم جميع محاولات إسرائيل الضغط على واشنطن في عهد إدارات أمريكية متعاقبة لضرب إيران، هي تخشى من عواقب الحرب على أمنها في حال اندلاعها.

-إيران جادة في تنفيذ تهديداتها بإشعال المنطقة حين تندلع الحرب ضدها، وهي قادرة.

- العقوبات الاقتصادية مهما كانت قاسية لن تسقط النظام والحكومة في طهران في وقت قريب. مع احتمال إيجاد آليات شبيهة بـ"النفط مقابل الغذاء" في التعامل مع عراق صدام حسين، أو قيام دول مثل الصين وروسيا وتركيا والهند بالتخفيف عن الحصار على إيران بوسائل ما، وأن تقوم أوروبا بتبادل المواد الغذائية والطبية مع إيران وفق الآلية المالية الأوروبية (إينستكس) للتعامل التجاري مع إيران، إذا ما توصل الأوربيون والإيرانيون إلى صيغة ما بخصوص البقاء على بعض الالتزامات الأساسية بخصوص الاتفاق النووي.

- الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي لم يكن موجها ضد إيران فقط، بل ضد تقارب إيران مع  الصين وروسيا وضد مصالح فرنسا وألمانيا أيضاً، فضلاً عن كونه استهتاراً بكل هؤلاء الشركاء في اتفاقية مشتركة،  وحل الأزمة الراهنة مع إيران يرتبط كذلك بتطور العلاقات الأمريكية مع الصين وروسيا. أما أوروبا فيبدو أن ترامب لا يكنّ لها إلا القليل جداً من الاحترام.

- إذا واصلت واشنطن الضغوط على طهران، ولم تجد طهران مخرجاً لفك الحصار النفطي والتجاري عنها،  قد تقدّم إيران، مضطرة في نهاية المطاف، ورقة انسحابها من سوريا، مع حزب الله والميليشيات الأخرى العاملة بإمرة الحرس الثوري الإيراني، وتعهدها بضبط حزب الله ومنعه من القيام بأي عمل عسكري ضد إسرائيل، مقابل تخفيف الضغوط الأمريكية عليها ومبادرة باتجاه حل سياسي لأزمتها مع واشنطن، بوساطة موسكو وضمانها للانسحاب الذي سيحظى بمباركة إسرائيل بالطبع.

- من المحتمل أن تقوم واشنطن بتوجيه ضربة محدودة لإيران، انتقاماً لإسقاط الطائرة الأمريكية، وتحدي إيران المباشر للإمبراطورية الأمريكية. الضربة المحدودة قد توجه عدة رسائل: إعادة الهيبة للقوة الأمريكية التي استهانت بها إيران عبر إسقاط طائرة أمريكية مسيرة دون طيار، ورسالة دعم لحلفاء أمريكا في المنطقة، السعودية والإمارات وإسرائيل.

- رغم أن فرصة إيجاد حل سياسي لأزمة إيران ليست معدومة، إلا أن من المستبعد الوصول إلى حل قريب للأزمة التي قد تطول لسنوات مع استمرار التهديدات والتوترات واستنزاف إيران وخصومها الإقليميين معاً. فنحن أمام صفحة جديدة للصراع في الشرق الأوسط.

 

-----

 

بدرخان علي

*كاتب كردي سوري. عضو هيئة تحرير مجلة "الحوار" الثقافية التي تصدر باللغة العربية وتهتم بالشؤون الكردية وتهدف لتنشيط الحوار الكردي-العربي.

 

حقوق النشر: المركز الكردي للدارسات 2019

المركز الكردي للدراسات، مؤسسة بحثية مستقلة وغير ربحية، وهو متخصص في البحث في الشؤون السياسية المحلية، الإقليمية والدولية. يهدف من جميع نشاطاته إلى تعزيز المعرفة، السلم والتعايش، وإلى تشجيع التفكير والتحليل الجديدان في التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا حاضرا ومستقبلا.

http://www.nlka.net/news/details/850

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.