تشويه سمعة الصحافة أو قمعها

وعلى غرار ما حدث في مصر، زعمت السلطات السعودية أن المعتقلين كانوا يحاولون زعزعة استقرار الحكومة نيابة عن قوة أجنبية. وكان هذا هو جوهر حملات وسائل التواصل الاجتماعي، التي يديرها المستشار الإعلامي للأمير محمد بن سلمان -سعود القطاني- والتي تسعى إلى تشويه سمعة الصحفيين والمعارضين.

إن بلداناً مثل المملكة العربية السعودية، ومصر، وتركيا، لم تواجه عواقب وخيمة، ولم تنجُ من ردود الفعل الدولية على قمعها لوسائل الإعلام، والتلاعب بها. وهذا لم يشجع فقط أنظمتها القمعية؛ بل أقنعت الحكومات الأخرى التي تواجه الاحتجاجات حالياً، لاستخدام أساليب مماثلة.

وفي العراق، ألقت الحكومة باللوم على وسائل الإعلام، في الترويج للإحباط الشعبي الذي قاد مظاهرات واسعة النطاق ضد الفساد المستشري، وارتفاع معدل البطالة، وضعف الخدمات العامة، والتدخل الإيراني. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2019، منع مُنظم وسائل الإعلام البث من قناة دجلة، وهي محطة إذاعية عراقية مقرها الأردن، وأغلقت مكاتبها في بغداد مؤقتًا، وأغلقت مكاتب 11 منفذًا إعلاميًا آخر، بصورة مؤقتة، بسبب انتهاكات مزعومة لقواعد الترخيص. كما أصدرت تحذيرات إلى خمس منظمات أخرى من أجل "تكييف خطابها" بشأن الاحتجاجات مع قواعد البث.

 

 

كما احتُجز الصحفيون من قبل أجهزة الأمن، واستُهدفوا من قبل الميليشيات المرتبطة بها. إذ في العام الماضي 2019، قام مهاجمون مسلحون مجهولون بغزو مكاتب أربعة من المذيعين في بغداد، ونهبوا الاستوديوهات، والمكاتب، وسرقوا المعدات، واعتدوا على الموظفين. وقامت الحكومة بقطع خدمة الإنترنت عدة مرات خلال الاحتجاجات، وكانت التكلفة كبيرة على الاقتصاد العراقي.

وفي لبنان، التي غالبا ما يُنظر إليها على أنها واحة من الانفتاح الإعلامي في المنطقة، يتزايد تخويف الحكومة لمنتقديها، واعتقالهم، في محاولة لإخضاع المظاهرات التي بدأت في أكتوبر 2019. ويمكن أن تُوَجه، بسهولة، إلى شكاوى المتظاهرين حول إخفاقات الحكومة- بما في ذلك الاستيلاء عليها من قبل طبقة سياسية نخبوية- تهمة إثارة الطائفية، وهو أمر غير قانوني بموجب الدستور. والتشهير هو تهمة أخرى تستخدم لتشويه سمعة المحتجين، والصحفيين.

وحشد مؤيدو الأحزاب الحاكمة في البلاد قواتهم لتخويف المتظاهرين، والضغط على مقدمي الخدمات لإغلاق حسابات وسائل التواصل الاجتماعي لقادة الاحتجاج، والصحفيين البارزين. وهذه الحسابات مهمة لأن الإعلام اللبناني السائد، الذي تسيطر عليه الأحزاب السياسية، تكاد لا تغطي الاحتجاجات. كما نشرت وسائل الإعلام الخاضعة للسيطرة السياسية معلومات مضللة، وادعت أن القوى الأجنبية دعمت الاحتجاجات في محاولة لإضعاف لبنان.

 

خريطة اعتقالات الصحفيين في الصين والسعودية وسوريا وفيتنام ومصر وتركيا. Quelle: Reporter ohne Grenzen
إلقاء اللوم على وسائل الإعلام: تقول ليديا خليل إن بلداناً مثل المملكة العربية السعودية، ومصر، وتركيا، لم تواجه عواقب وخيمة، ولم تنجُ من ردود الفعل الدولية على قمعها لوسائل الإعلام، والتلاعب بها. وهذا لم يشجع فقط أنظمتها القمعية؛ بل أقنعت الحكومات الأخرى التي تواجه الاحتجاجات حالياً، لاستخدام أساليب مماثلة. وفي العراق، ألقت الحكومة باللوم على وسائل الإعلام، في الترويج للإحباط الشعبي الذي قاد مظاهرات واسعة النطاق ضد الفساد المستشري، وارتفاع معدل البطالة، وضعف الخدمات العامة، والتدخل الإيراني.

 

 

ومع ذلك، كانت كل من الحكومتين اللبنانية والعراقية أضعف بشكل ملحوظ من جيرانهما الاستبداديين، في استخدام أساليب قمع المعلومات، لإبقاء المواطنين تحت السيطرة. ويبدو أن المتظاهرين عازمون على مواصلة الكفاح، حتى تستجيب حكوماتهم بصدق لمطالبهم، ولم يؤدِ قمع وسائل الإعلام إلا إلى تسليط الضوء على وسائل الإعلام، وقنوات الاتصال البديلة.

لقد أدركت الأنظمة الاستبدادية، منذ فترة طويلة، أن تشويه سمعة الصحافة، أو قمعها، أسهل وأكثر فاعلية من استخدام العنف للحفاظ على السلطة، حتى لو كانت هذه السيطرة على حساب الانفتاح والديناميكية الاقتصادية، التي تحتاج إليها هذه البلدان بشدة. ولكن تجارب العراق ولبنان، تشير إلى أن هذا النهج له حدوده. وعلى الرغم من أن كلا البلدين يواجهان تحديات هيكلية عميقة، ولا يزال الصحفيون، والكتاب، والمفكرون معرضين للخطر، فإن اعتماد أنظمتهم السياسية على ترتيبات تقاسم السلطة، حال دون إسكات الأصوات المعارضة تمامًا.

 

ليديا خليل

ترجمة: نعيمة أبروش

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت 2020

 

 

ar.Qantara.de
 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة